ذاكرة
ما لي وللملك حسين؟ – يتابعون شؤونك ولا تدري – تهديد في المغترب
ما لي وللملك حسين
لم يمض على وجودي في ألمانيا زمن طويل كطالب، ولم يبلغ القلم الإعلامي أو التأليف مجالا واسعا بعد، إنما كنت أنشط في لقاءات تجمع المغتربين من الطلبة على ما يذكّرهم بأوطانهم الأصلية، وبعض قضايا أمتهم، وكان ذلك في حينه بالعشرات فحسب.
ذات يوم.. وصلتني رسالة رسمية، من جهاز أمني ألماني، تبلغني بوجوب تقييد حركتي لمدة ثلاثة أيام ابتداء من صباح اليوم التالي، فلا ينبغي أن أغادر المنزل إلى أي مكان دون أن أبلغ مركز الشرطة الأقرب لمكان سكني، أما السبب.. فغير مذكور في الرسالة.
كنت قد بدأت أعمل كمحرر حرّ في القسم العربي من إذاعة صوت ألمانيا، فكان لا بد أن أنتقل إلى مكان العمل في الأيام التالية، وفعلت ذلك ولكن لم أذهب إلى مركز الشرطة، بل إلى مكتب الهجرة والجوازات للأجانب، ولم أكن أحمل الجنسية الألمانية فقد امتنعت في البداية عن طلب الحصول عليها، وبعد انقطاع حصولي جواز سفر سوري، أصبح لا بد من تيسير أسباب السفر والمعيشة والدراسة وغيرها لي ولأفراد الأسرة معي في المغترب. وذهبت إلى مكتب الهجرة والجوازات لأن فيه موظفين نشأت معهم علاقة قائمة على شيء من الثقة، فأبرزت لأحدهم الرسالة الرسمية وسألته بشيء من التهكم مع الدعابة: **“هل أصبحت خطيرا على الأمن في ألمانيا؟” **
وعرفت السبب ولكن حتى الآن لا أستطيع تفسيره، فقد أخبرني الموظف بعد أن راجع الملف الرسمي لديه، إذ قال إن السبب هو زيارة الملك الأردني حسين (آنذاك) لألمانيا في الأيام الثلاثة المذكورة!
لم أكن قد رصدت تلك الزيارة في حينه أصلا، وأذكر بالمناسبة أن كثيرا من الرؤساء والملوك العرب كانوا يزورون ألمانيا، ولا تكاد زياراتهم تذكر إلا في خبر عابر في الصفحات الداخلية من الصحف، أو بإيجاز في مؤخرة نشرة أخبار إذاعية، وأحيانا نادرة في محطة للتلفزة، وكنت أضحك بشيء من المرارة عندما أجد أن وسائل الإعلام في بلد الزائر تواكب تلك الزيارات على أنها تاريخية! وتقول ببساطة إنها كانت في صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي في البلد المضيف! بل أُحرجت ذات مرة عندما اتصلت بي الإذاعة الرسمية في القاهرة، تطلب التعليق في حوار إذاعي، حول التفاعل مع زيارة الرئيس الأسبق حسني مبارك في برلين، أما الحرج فلعدم سماعي بخبر زيارته رغم أنني أتابع وسائل الإعلام.
عودا إلى موضوع هذه الفقرة: ما لي وللملك حسين وما كان يفعل أو لا يفعل؟
حاولت أن أستذكر القليل مما كنت أكتب أو أخطب، إن كان فيه ما يتعلق به أو بالأردن، ولم أجد ما يستحق الذكر، ثم ساءلت نفسي أخيرا، ربما كان السبب الحقيقي عرضاً مصورا قدمته لجمع من الطلبة والمقيمين العرب، تناول آنذاك التعريف بمدينة بيت المقدس، بتاريخها وآثارها وموقعها لدى العرب والمسلمين، وفي نطاق قضية فلسطين.. ولكن أي خطر يمثله ذلك من جانب طالب مثلي على زيارة ملكية سياسية! أم أن المخابرات ترصد علاقتي بإخوة لي من فلسطين يترددون على مصلانا الصغير، ومنهم من كان ينتمي إلى منظمة فتح، وما كان لمنظمات المقاومة الإسلامية وجود فاعل في تلك الفترة، وليس مجهولا ما شهده الأردن وحمل عنوان أيلول الأسود!
كما قلت آنفا.. لا أدري السبب المنطقي الحقيقي حتى الآن، ولكن أعلم علم اليقين، منذ ذلك الحين ومن خلال ألف شاهد وشاهد حتى اليوم، أن قضية فلسطين تواجه عملا عدوانيا واسع النطاق، تلتقي عليه قوى عديدة، لترسيخ اغتصاب الأرض، والهيمنة على ما حولها وتصفية تاريخها وحاضرها ومستقبلها، فهل يعمل المخلصون على مستوى ما تتطلبه القضية المصيرية المشتركة؟
٠ ٠ ٠
يتابعون شؤونك ولا تدري
أمضيت عشرات السنين في ألمانيا دون أي تماس مع جهاز أمني ألماني إلا نادرا، ولكن وقع التماس بعد أن ارتكبت خطأ معيشيا جسيما بتأسيس شركة صغيرة دون دراية أو خبرة عملية بإدارة الشركات، فأفلست بعد فترة وخسرت ما جمعته من مال في عملي الإعلامي، وما شارك به آخرون معي، وأصبحت في وضع عسير فضاعفت السعي للكتابة في وسائل إعلام عربية.
وغالبا ما كنت أكتب في أحد المقاهي، فيدفع الفضول بعض الجالسين للدردشة معي حول اللغة العربية وكيف أكتب من اليمين إلى اليسار، وماذا أكتب.. فلم يكن يوجد ما يريب عندما صنع ذلك ذات يوم رجلان أنيقا اللباس؛ لولا أنهما من أولئك الذين تظهر سيماهم في وجوههم وفلتات ألسنتهم.
انتقلت الدردشة لتشمل ما أحصّله مما أنشر، والأحداث السياسية، والمسلمين في هذا البلد، وإذا بهما يلمّحان ثم يصرّحان بعرض مصدر رزق أفضل لي مقابل الكتابة بالألمانية التي أتقنها أيضا، وأدركت ما يريدان، ولكن أردت سماع المزيد، فتساءلت عن المطلوب تماما، وزادت جرعة التصريح على جرعة التلميح، بصدد معلوماتهما عن تردّدي على المساجد والمراكز الإسلامية، وأنني خففت من ذلك مؤخرا، وبدا أنهما يعيدان ذلك إلى خلاف مع القائمين عليها، ويوجد شيء من ذلك فعلا ولكن حول آليات العمل وليس حول جوهره ومنهجه، وكانت الرغبة في التفرغ للكتابة والتأليف سببا أهمّ؛ إنما لا يخفى من الحديث أن المراقبة قائمة إلى حد كبير، ولا نكاد نتكهن بوجودها فضلا عن أن نعلم بأسبابها وأن نتعامل بجدّ معها. باختصار: أراد الرجلان استغلال وضعي المالي آنذاك لإغرائي بدخل وفير مقابل التجسس على إخواني، فرفضت وانصرفا بأدب.
لا ريب أن عمل المخابرات في مقدمة ما يجسّد القاعدة الكريهة المعروفة: الغاية تبرر الوسيلة، ولكنّ الأسوأ من ذلك، أن للمخابرات غايات منحطّة، ووسائل مشروعة وغير مشروعة.
٠ ٠ ٠
تهديد في المغترب
ليس لي إلا القليل مما يرتبط بي في الفقرات التالية، ولا يعادل نصيبي منها قطرة من بحر الحدث الجلل يوم السابع عشر من آذار/ مارس ١٩٨١م عندما اغتيلت الشهيدة بنان الطنطاوي العطار، أم أيمن رحمها الله، في مدينة آخن بألمانيا، على بعد مائة كيلو متر من بون التي أقطن فيها، وكنت قد تعرفت على زوجها أستاذي الجليل عصام العطار بعد وصول كل منّا إلى ألمانيا بفترة وجيزة.
وقد اشتهرت مخابرات الحكم الاستبدادي بسورية بعمليات الاغتيال الغادرة خارج الحدود، الشبيهة بما تصنعه مخابرات موساد الإسرائيلية والمخابرات المركزية الأمريكية.
وكنت أعلم أن عصام العطار كان مع أسرته مستهدفا، ولكن لم أكن أتصور أن تبلّغني المخابرات الألمانية أن اسمي ورد مع اسمه على قائمة عناصر من المخابرات السورية، تم إلقاء القبض عليهم آنذاك أثناء تسللهم إلى الأراضي الألمانية.
يوجد ما يعتبرونه جرائم ضد سلطاتهم وما و بجريمة أصلا، والواقع أنني لم أكن أملك، ولا أملك حتى الآن، في عالم السياسة سوى ما يخطه هذا القلم، ولم أكن يوما عضوا في حزب سياسي أو جماعة كبيرة معروفة، ولا شغلت منصبا من المناصب، ولا تطلعت إلى ذلك أصلا، ولا أعتبر هذا القلم من الأقلام المشهورة، ولا أحسب أن ما يكتبه يصل عبر وسائل إعلام جماهيرية إلى حشود كبيرة؛ فما الذي صنعت إذن؟
المشكلة ليست في الطرف المستهدف فقط، بل فيمن يبلغ به الخوف على تسلطه وفساده مبلغا يجعله يخشى من الكلمة ولو كانت من مستوى الهمس وراء الجدران.
طلب إليّ الجهاز الأمني الألماني المختص أن أكون حذرا وأن أنتقل من البيت الذي أسكنه في حي متطرف من بون إلى حي آخر، ولم يفارقني الظن أن فيما قيل لي بعض المبالغة على الأقل، إنما اتبعت التعليمات وأخذت حذري قليلا، لا سيما وأنني كنت أغادر المنزل مرارا في ساعة مبكرة من الفجر إلى مكان عملي على بعد ٣٠ كيلو مترا تقريبا.
في فجر أحد الأيام كان للحذر مفعوله إذ لمحت أثناء اقترابي من موقف سيارتي وجود شخصين في سيارة أخرى في تلك الساعة المبكرة، وقد وقفت سيارتهما بطريقة مائلة شاذة في المكان، وكأنهما يراقبان سيارتي، وتمكنت من الركوب من الباب الآخر بهدوء كبير، وإن هي إلا لحظات حتى انطلقت من المكان.
لحقت بي السيارة المريبة في شارع عام، وتأكدت من ذلك بتخفيض السرعة لتتجاوزني، وبمضاعفة السرعة حينا آخر، وعندما انعطفت فجأة نحو اليمين لم يدركا على ما يبدو أنني تعمدت الدخول في مرآب مركز للشرطة، حتى إذا أصبحا في المرآب خلفي كنت قد تركت السيارة مسرعا ودخلت عبر باب المركز، فلاذا بالفرار على الفور.
لم يقع حادث آخر من هذا القبيل مرة أخرى، لا سيما بعد أن انتقلت إلى منزل مجاور لمبنى سفارة ألمانيا الشرقية سابقا، وكنت بذلك تلقائيا في أكثر مناطق بون حماية.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب