**ذاكرة **
ليس الحديث هنا عن ذكرى عابرة من ذكريات يومية، بل عن مشهد تاريخي يملأ جنبات الذاكرة، وليس في المشاهد التاريخية بداية ونهاية، فهي سيولية متداخلة، وقد حدث في أواخر تشرين أول / أكتوبر ٢٠٢٠م، أن نشرتُ في واحدة مما يسمى وسائل التواصل الاجتماعي بضعة سطور، لو نشرت قبل عشرين عاما لاتخذت التعليقات عليها اتجاها آخر تماما، والسبب هو تبدل جذري في النظرة العامة للسعودية.
كان محتوى تلك السطور انتقادا لأصحاب السلطة في السعودية لتأخر الإعلان عن موقف رسمي واضح من إساءات الرئيس الفرنسي ماكرون تجاه الإسلام والمسلمين، وسجل غالب المعلقين ما يعبر عن غضبهم ذاك، ليس من الانتقاد بحد ذاته، بل لمجرد صياغته بلهجة ديبلوماسية، فهذا كثير في نظرهم على السياسات السعودية، التي تستحق الإدانة عند من يتابعها، وكان منها حديثا:
التحول من ممارسات بلغت حدّ الإكراه تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى ممارسات علنية تضمنت الاعتقال التعسفي للعلماء والدعاة ولكل ناشط أو ناشطة من أجل الحقوق والحريات.
كذلك التحول من الحرص على التشدد والتعنت المنفر، إلى الإمعان في ألوان من الانحلال والتسييب والإغواء دون حياء.
التعليقات المشار إليها تمثل حالة شعبية عامة في نطاق المشهد التاريخي المقصود بهذه السطور، وقد وجدت نفسي أقارنها بحالة شعبية مقابلة، سادت قبل عقود واستمرت طويلا، وكانت تتمثل في التشكيك والرفض الصادرين عن حسن نية وسلامة طوية من جانب كثير من العامة من المسلمين، إذ يعارضون ما يسمعونه من انتقاد، تنويها أو صراحة، حول انحراف السياسات السعودية في قضايا عربية وإسلامية وإنسانية.
تبدل المشهد يثير الأسى لأن السعودية فقدت بقايا رصيدها في معايير التمييز بين الإسلام كما أنزل وبين مظاهر شكلية مبتسرة تحمل عنوان الإسلام ولا تلتزم به على حقيقته.
يثير الأسى مع ضعف الأمل في أن تسعى دولة ذات إمكانات مادية (وجيوسياسية) كبيرة، للاستفادة من فرصة كبيرة بين يديها منحها إياها ربيع الثورات الشعبية لتكتسب زعامة سياسية شعبية.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب