مصر – مع زيارة أخرى

ذاكرة – أين تختار لو خيّرت أن تعيش

مصر – مع زيارة أخرى

**ذاكرة **

يحلو للأحبة في مصر أن يقولوا ما معناه: من يشرب من مياه النيل لا بدّ أن يعود إليه؛ كناية عن شوق العودة إلى مصر بعد زيارتها، وما كنت أحسب عند زيارتي الأولى -المتأخرة جدا- لمصر عام ١٤٢٧هـ و٢٠٠٦م ستتبعها زيارتان متتاليتان خلال العام التالي. صحيح أن لكل زيارة ما استدعاها، ولكنّ شيئا ما كان يدفعني إلى إقناع نفسي بضرورة الحضور ولقاء الأحبة مباشرة، وإن كان بعض المطلوب قابلا لتحقيقه عبر وسائل التواصل الحديثة. وما بين تلك الزيارات وأثناءها طرح عليّ كثيرون من مصر ومن ألمانيا حيث أقيم، السؤال التقليدي، أين أحبذ المعيشة، وقبل الجواب تهمني الإشارة إلى أمور نادرا ما تسنح الفرصة لتسجيلها كتابة:

١- لم أشعر يوما بتناقض يستحق الذكر ما بين الانتماءات؛ وأنا مسلم، عربي، سوري الأصل، فلسطيني المولد (شامي، فما كانت توجد حدود بين فلسطين وسورية قبل اصطناعها بجرّة قلم على خارطة سايكس-بيكو) ألمانيّ الإقامة منذ عقود، والجنسية منذ سنوات، ولو أردت الإضافة لأضفت: إنساني المشرب والهوى.

٢- أشعر بالامتنان تجاه ألمانيا، وأعني الشعب عموما، ومن كانت لي به علاقة مباشرة تخصيصا، كما أعني جملة الأوضاع السائدة سياسيا وقضائيا وثقافيا واجتماعيا، فقد كنت مقيما في ألمانيا إقامة الضيف الوافد، دراسة وعملا، لسنوات عديدة، وواجهت سلبيات عديدة، هي من طبيعة الأمور إذا صحّ التعبير، ولكن ليس فيها ما كان يستدعي القول ليتني أتخلص من هذه الإقامة، ثم جرت أحداث في سورية، وجرى القلم بالحديث عنها، فباتت عودتي عسيرة، وأصبحت ألمانيا دون تخطيط مسبق ملاذا لحرية القلم، ولا ينبغي لمن يجد ذلك إلا أن يشعر بالامتنان.

٣- لا ينفي ما سبق أو يتعارض مح حقيقة أنني كتبت الكثير ناقدا الأوضاع في ألمانيا، على المستوى السياسي عندما تستدعي الحاجة، وعلى المستوى الاجتماعي، لا سيما ما يتعلق بأوضاع الأسرة والمرأة والأطفال والناشئة، وأحسب أنني لم أخرج في ذلك عن مبدأ الكتابة حرصا على الإنسان، ومستقبل الإنسان، سيان ما جنسيته وما لونه، وما عرقه وما ملّته.

وأعود إلى السؤال التقليدي المذكور: أين تختار أن تعيش لو خيّرت؟ في مصر التي تزور بين الحين والحين، أم في ألمانيا التي تحدثت عنها هذا الحديث؟ والجواب في مصر، وهي عندي كسورية التي نشأت فيها وكبلدان عربية وإسلامية أخرى.

كيف أعطي هذا الجواب وقد قيل لي ما قيل ورأيت بعيني ما رأيت في شوارع مصر من ازدحام يجعل الانتقال من رصيف إلى رصيف مغامرة خطيرة؟ أو ما يجعل النوم على الزائر مستحيلا نتيجة زعيق أبواق السيارات إلى ساعة متأخرة من الليل، وقد يبلغ أضعاف حدّه اليومي، العالي من الأصل، إذا انتهى النهار بفوز رياضي لهذه الجبهة أو تلك من الجبهات الأهلاوية والزملكاوية؟

وقد يدور الحديث عن أمور كثيرة من هذا القبيل ومزيد عليه، من الحياة اليومية ومتاعبها، وما أشهد منها في وجوه من أراهم في الطريق وفي المقهى وفي المحل التجاري وفي سيارة الأجرة أو وهم يتسابقون إلى باب الحافلة العامة التي تخفف سرعتها وسط الشارع بعيدا عن الرصيف لتلتقط من يتمكن من الصعود إليها ما بين السيارات المتسارعة ذات اليمين وذات الشمال؟

إنّ الذي أراه وأجده في وجوه هؤلاء جميعا، ولا أكاد أستثني أحدا، هو روح الإنسان وطيبة الإنسان، وغلبتها على الألم والضيق، والتعب والمشقة، وبقاؤها من وراء أثقال الحياة المعيشية، وضّاءة في وجوه لا تفقد الأمل، وعلى ألسنة إن شكت لا تعبر عن اليأس وإن بلغ الأمر بأصحابها مبلغه.

لا يعني ذلك إغفال الإصرار على ضرورة تلبية احتياجات الإنسان لتحقيق المعيشة الكريمة، أو التهوين من شأن الجهر بمسؤولية مَن يحرمون أهل بلادنا عموما، ومنها مصر، من كثير من تلك الاحتياجات؛ إنما أقول ببساطة إن عنصر الإنسان في العلاقة المعيشية اليومية هو ما يمكن أن يشدّني لمصر ولبلدان عربية وإسلامية أخرى عرفتها.

لقد حظيت عند من كنت في ضيافتهم المباشرة من أهل مصر بما زاد من إحساسي بالامتنان والاطمئنان، ولولا أنني أتجنب كيل المديح المباشر لكتبت في ذلك الكثير، ولا أحسبهم ينتظرونه، وهم أعلم به.

ولقد ضاعف ما عايشته معهم من يقيني وتفاؤلي الدائمين، بأن مستقبل مصر سيكون مثل ماضيها وأكثر، وأن دورها في القلب من أرضنا العربية والإسلامية سيحقق لأهل مصر وأهلنا العرب والمسلمين في كل مكان، كما سيحقق للإنسان في الأسرة البشرية، ما لا نزال نتطلع إليه، ويجب أن نعمل من أجله، على كل صعيد.  

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب