مخابرات
**محاضرات ودردشة **
وصلتني دعوة للمشاركة في اجتماع تمهيدي لتأسيس منظمة باسم المنتدى العالمي للوسطية، وكان تأسيسه يوم ٢٥ / ٩ / ٢٠٠٢م مع موافقة رسمية من جانب السلطات في الأردن؛ وقد شاركت بالتأسيس ولاحقا بعدة محاضرات في مؤتمرات تالية. وما كان للمنتدى أن يتأسس ويمارس أنشطته، دون أن تكون المخابرات الأردنية قد شهدت على الأقل بأنه لا يوجد على أحد من المشاركين في التأسيس ما يمنع أمنيا وحتى فكريا من المشاركة. بتعبير آخر لا يوجد جهات مخابراتية تمنع زيارة الأردن، كما حدث لاحقا، وكنت أتردد عليه من قبل سنويا، لزيارة معارف وأقارب هناك.
في إحدى الزيارات بعد تأسيس المنتدى وصلت إلى مطار عمّان فاستوقفني على غير المعتاد موظف الأمن بعد أن ذكرت له اسمي الرباعي واسم أمي وأن جنسيتي الأصلية هي الجنسية السورية، فطلب إلي دخول غرفة صغيرة، جلس فيها عدد من عناصر المخابرات، فأخبروني أن علي مراجعة المديرية العامة للمخابرات في اليوم التالي، وأن جواز سفري محفوظ وأستلمه هناك بعد المقابلة!.. ما السبب؟.. قال ذلك العنصر إنه لا يدري!
كانت تلك المرة الأولى لرؤية مركز مخابرات في بلد عربي من داخله، ولم يشمل ذلك الأقبية التي تضجّ بأنين نزلائها، ولكن يكفي لسريان القشعريرة في جسدي أن أجلس مع الجالسين في قاعة انتظار كبيرة، تتسع لعدة مئات، كانوا في صفوف متتابعة قابعين على الكراسي الحديدية، بانتظار أن يأتي دورهم، واحدا بعد الآخر، وقد أخذوا هواتفنا المحمولة، فأصبحنا منقطعين عن العالم الخارجي! ما الهدف من تلك الخطوة، ماذا يراد مني، وما هو السبب؟
خطرت في بالي مقالة واحدة، والأصح بضعة سطور كتعليق كتبته حول الملك الأردني عندما زار ألمانيا، وكان في ضيافة رئيس وزراء ولاية بافاريا، فاعترض على المضيف أنه لم يضع على المائدة سوى العصير، وعندما يصنع الألمان ذلك فهم يحرصون على شيء من اللياقة الدبلوماسية في التعامل مع حاكم مسلم؛ فقال متبجحا إنه يشرب الخمرة أيضا، فأحضروا له ما أراد، وكتبت عن ذلك صحيفة ألمانية متهكمة عليه تهكما شديدا، فاستفز ذلك قلمي أن أصبح حكام بلادنا يصنعون بأنفسهم ما يجعلهم هدفا للتهكم بهم، ومن خلال ذلك ببلادنا وشعوبنا وواقعنا المتخلف. على أية حال بدا لي من بعد أن تلك السطور لم تكن سبب هذه المقابلة، ولو سئلت اليوم عن السبب، بعد مرور سنين وسنين، فليس عندي سوى الجواب: لا أدري!
بعد انتظار طويل نسبيا، جاء دوري مع الضابط المحقق ومشيت مع عنصر مخابرات في رواق طويل حتى وصلت إلى باب لا يختلف عن سواه، فطلب إليّ الدخول، فولجت إلى غرفة صغيرة ليس فيها سوى مكتب عتيق جلس خلفه ضابط محقق، وكرسي أعتق من المكتب، مخصص لجلوس الشخص المستهدف بالتحقيق.
قال: اجلس!.. قلت في نفسي: يبدو أن كلمة تفضل محذوفة من قاموس المخابرات العربية.. وتفضلت بالجلوس، بل وضعت ساقا على ساق وهي عادة قديمة عندما أجلس على كرسي غير مريح.
نظر نظرة شزرة.. وقال بعاميته: (نزّل رجلك)
بدأنا إذن.. فلأبدأ أيضا، قلت وأنا أستجيب لطلبه:
– كما تريد، وإن سبق لي أن أجريت مقابلات إعلامية مع كثير من المسؤولين السياسيين، ولم يشعروا بالانزعاج أو المهانة وأنا أجلس معهم كما جلست معك الآن!
كنت أتوقع ردّا عنيفا، وعجبت قليلا أن كان مفعول كلماتي معاكسا، فقد هدأ صوته بشكل ملحوظ، وأتى بكرسيه فجلس قبالتي، وبدأ الحديث متعمدا التهذيب واللطف!
لا أظنه مهذبا ولا لطيفا.. بل هذا سلوك مغيّب عن مخابرات بلادنا، ولا تعرفه قطعا عندما يكون همّها انتزاع اعترافات ما بأي وسيلة، وعندما تعمل في الأقبية وليس في المكاتب الرسمية، ولكن ربما لعب دورا أنني أحمل جواز سفر ألمانيا، أو يبدو لي أنه تعمّد استخدام الأسلوب المهذب، فكأن الرجل من صنف المخبرين الذين يختارون الأسلوب المناسب لكل حالة على حدة.. وكان سريع البديهة، وسريع التفاعل مع الحوار.
المشكل.. أنه لا يوجد لدي ما يمكن أن يحصل عليه عبر استجواب استخباراتي، ولن أروي كل ما دار معه على مدى ساعتين تقريبا، بل لا يوجد أمر ذو قيمة يستحق الرواية فعلا!
كان يسأل عن الطقس في ألمانيا، وعن دراستي، عن العادات الألمانية، وعن كتاباتي، عن مدارس أولادي، وعن السياسات الغربية، وأكاد أقول إنه لم يترك موضوعا إلا تطرق إليه، وكنت أعلم أنه يتبع أسلوبا مخابراتيا معروفا: الحديث المتشعب الطويل، حول أمور لا قيمة استخباراتية لها، من أجل اصطياد عبارة من العبارات حول أمر يهمّ المخابرات. ولم يكن لدي ما يمكن أن يهمه، فما أراه وأعتقده مكتوب منشور عبر عدد كبير من المقالات والدراسات، وعندما كان يتطرق إلى رأيي في قضية ما، كنت أشير غالبا إلى ما نشرته حولها، كما أرشدته إلى موقعي الشبكي الشخصي (مداد القلم) الذي يضم جلّ ما أكتبه، ولا أحسب إلا أنه اطلع عليه مسبقا.
بعد ساعتين من (دردشة) بدت فارغة لا جدوى منها، أشار إلى اكتفائه بما سمع، فقلت:
سألتني وأجبتك على مدى ساعتين ولدي سؤال إن أحببت لتجيبني عنه..
قال: تفضل!.. وواريت ابتسامتي؛ يبدو أن قاموس المخابرات يحتوى هذه الكلمة أيضا!
قلت: لم أفهم من هاتين الساعتين ما هو سبب استدعائي لمركز المخابرات، فهل لك أن تخبرني عنه؟.. ضحك لعدة ثوان.. وأحسبه كان يفكر بالجواب، ثم قال: لا شيء ذو بال، هي مجرد دردشة!.. قلت:
**لا اعتراض على الدردشة معك، ولكن أقترح أن أتصل بك هاتفيا عند زيارتي القادمة، فأدعوك للدردشة في أحد المقاهي مع فنجان قهوة! **
ضحك مرة أخرى وأخرج بطاقة من جيبه وقال: هذا رقم هاتفي الخاص، سأفعل! (لم يفعل)
وعندما سلّمني في غرفة (رئيسه) جواز سفري، طرحت سؤالا مباشرا:
هل ستلغى الإشارة في المطار وأدخل في زيارتي القادمة لأقربائي أو للمشاركة في مؤتمر ثقافي فكري.. دون صعوبات؟
- نعم.. بالتأكيد..
لا نعم.. ولا بالتأكيد.. كما ظهر لي في زيارات تالية.
٠ ٠ ٠
مجرّد خطأ
يمكن أن تصدّق عنصر المخابرات إن قال لك أمرا سلبيا، وإن كان مضمونه غير صحيح، فالغالب أنه يتوهّم صحة ما يقول آنذاك، أما أن يقول لك شيئا إيجابيا فلا تصدّقْ أنه يقصده ولو كان المضمون صحيحا.
قد يعاملك معاملة حسنة، ويقول إنه يعامل جميع زبائنه معاملة حسنة، وقد قيل لي ذلك، وكذب القائل..
وقد يقول لك إن الإشارة الموضوعة في سجل مخابراته عنك ألغيت، كما قيل لي، وكذب القائل.
في زيارتي التالية كان علي المشاركة بمحاضرة في مؤتمر ثقافي فكري افتتحه أحد كبار المسؤولين في ذلك البلد، فهو تحت رعاية رسمية؛ وفوجئت أن موظف الأمن احتفظ بجواز سفري وطلب إلي كما حدث في المرة الماضية الدخول في مكتب صغير للمخابرات في المطار، فدخلت، وذكرت لمن فيه أنه قيل لي في مركز المخابرات قبل عام إن الأمر انتهى، فهل من جديد، وجاء الجواب: (لا أدري.. عبد مأمور) يقصد أنه موظف ينفذ التعليمات، ولا بد من المراجعة، وقررت الرحيل إن طلب إلي ثانية زيارة مركز المخابرات للدردشة، ولكن بعد ٤٥ دقيقة، قيل لي: (معذرة، مجرد خطأ، أهلا بك، في بلدك).. إذا قصد في بلدي بمعنى الجنسية، فمعاملة المخابرات في مثل حالتي أسوأ بكثير، إنما لا أفرّق بالانتماء بين بلدي وسواه من البلدان العربية والإسلامية، ولكن أن يقال إن المعاملة هنا أفضل، كما قيل فعلا، فقد كذب القائل أيضا، فالأمر أمر مقارنة بين سيّئ وأسوأ، وليس بين جيد وأفضل، ومن يصنع ذلك ينطلق من أن الأصل في تعامل الدولة مع البشر هو الإهانة، فمن خفّف درجتها كان أفضل من سواه، وبئس ما ينطلقون منه بدلا من مبدأ الكرامة التي لا تمسّ في الأعراف الدولية المعاصرة؛ أو بدلا من المبدأ الأعظم أنها كرامة ربانية لا تميز بين إنسان وإنسان، كما قرر الله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم}.
…
تحدثت حول إيقافي في المطار مع المسؤولين عن المؤتمر في عمّان، وهم على علاقة رسمية بالمخابرات، وذكروا لي أن قائمة المدعوين جميعا تعرض على جهاز المخابرات ولا يدعى أحد دون موافقة مسبقة، قلت أرجو مراجعتهم، فلئن تكرر ذلك معي لن أشارك في مؤتمرات قادمة.
ويبدو أنني لا أتعلم بسرعة، فقد تكرر الأمر بجميع تفاصيله في السنتين التاليتين، فانقطعت عن المؤتمر وعن زيارة ذلك البلد أصلا، واكتفيت بالتواصل مع قرابتي فيه عن بعد، إلى أن انطلقت مسارات ثورات الربيع العربي.
٠ ٠ ٠
حظر الدخول
المطار.. قاعة مراجعة الجوازات.. رجل الأمن وراء شباك صغير.. معذرة.. لا بد من المراجعة.. غرفة المخابرات الصغيرة.. سؤال وجواب كما كان قبل سنوات لعدة مرات.. ثم الانتظار أقل من ساعة، كما كان في آخر مرة.. هذا ما توقعته، ولكن طال الانتظار، ثم انتقل بي أحد عناصر المخابرات إلى مكان آخر، حيث كان علي -كما أخبرني- مواصلة الانتظار إلى أن أمتطي (طائرة الرحيل) أي أن إشارة الإزعاج لساعة تحولت فجأة إلى إشارة حظر الدخول كلية.
لماذا؟.. لا أدري (هذا جوابهم) هذه هي التعليمات؟
لماذا؟.. لا أدري أنا أيضا؛ واتصلت بأحد الأقرباء وهو من إحدى العشائر، وكان ينتظرني في المطار، واستغرق الأمر زهاء ثلاث ساعات وهو يبذل بعض المحاولات المتواضعة لأدخل أرض البلد العربي الشقيق، قبل أن أدرك أنه لا جدوى من ذلك أصلا.
٠ ٠ ٠
كان المطار عتيقا (تم بناء سواه في هذه الأثناء وتشغيله) وكانت غرفة الانتظار تتسع لعشرة أشخاص بالكاد، وضمّت أكثر من عشرين، وقوفا وجلوسا على المقاعد وعلى أرض الغرفة، وتساءلت: ألن يصيب بعض هؤلاء الاختناق أو الإغماء؟.. وما الذي يمنع من التعامل معهم معاملة (بشرية)؟.. لا أحب كيل المديح لدول غربية، ولكن أعلم دون تجربة مباشرة -فما حدث أن انتظرت الرحيل في مطار من مطاراتها- أنه يوجد في كل مطار، أو غالب المطارات الدولية فيها، فندق داخل الأرض التابعة له، أي لا يعتبر من يقيم فيه متجاوزا للحدود رسميا، فيحتجز جواز السفر، ويوضع في ذلك الفندق كل من يضطر إلى الرحيل بسبب عدم التزامه بقوانين السفر كتأشيرة الدخول وسريان مفعول جواز السفر وما شابه ذلك، وأحسب أن الإقامة تكون على حساب السلطات التي تمنع دخوله ولو كان مخالفا.
ألا يمكن أن يتبع لمطار عربي مثل هذا الفندق ولو لإقامة على حساب من يتم ترحيله دون سابق إنذار، ودون مخالفة القوانين، كما كان الأمر معي؟
يبدو على معظم الحاضرين في تلك الغرفة الضيقة أنهم ممن يحاولون الدخول بطرق غير مشروعة قانونيا، وهو ما يسري على القادمين من دول عربية أو إسلامية أخرى، ممن لا يحملون جواز سفر دولة غربية يحصل صاحبه عادة على تأشيرة الدخول خلال دقائق في المطار، أكاد أقول (للأسف) فهنا لا تسري القاعدة الثابتة في العلاقات الديبلوماسية: المعاملة بالمثل، فأي مواطن عربي، من غير أصحاب الشأن (الرفيع) سياسيا أو ماليا، يريد السفر إلى ألمانيا مثلا، يعاني من إجراءات الحصول على تأشيرة السفر من سفارتها، ما لا يحتمله إلا ذوو العزم.. وإن كان ممن يأتي وينفق ما ينفقه السائح وسواه من أموال فيها.
٠ ٠ ٠
معاملة تعيسة
كان جميع من ينتظرون الترحيل في سن الشباب، ويبدو أن المسؤول في غرفة المخابرات أشفق علي أن أجلس -وبالأحرى أقف- لساعات عديدة في ذاك المكان، فتجاوز التعليمات، واستعجل عملية شراء بطاقة سفر أخرى كما رغبت، وانتقل بي إلى قاعة المغادرة في المطار، حيث بقيت منذ وصولي ١٢ ساعة، قبل أن يحين موعد الإقلاع لأنتقل إلى بلد آخر.
هناك اتصلت هاتفيا ببعض من سبق أن كنت على موعد معهم واستحال لقاؤهم، فأبلغتهم بما جرى، وذكر لي أحدهم أنه سيكلف مكتبا للمحاماة ليراجع الأمر رسميا، ولكن بعد أيام أبلغني أن إلغاء حظر الدخول غير ممكن الآن، دون معرفة أسبابه.
هل لذلك علاقة بأحداث سورية؟.. لا أشك في ذلك، ولكن حكومة ذلك البلد تدخل في إطار ما يسمّى (أصدقاء الشعب السوري) والمفروض أنها تقدم العون لمن له علاقة ما بالثورة، وأعلم أن هذا ينطوي على مصالح ذاتية، وينطلق من معايير تضعها كل دولة لنفسها، فهي لا تتعامل مع الجميع معاملة واحدة. لا أحاول التكهن بجواب، ولم أكن أنوي محاولة معرفة الجواب أو محاولة الدخول مجددا لذلك البلد العربي الشقيق.
اتصل بي آخرون من الأحباب ذوي المكانة الرسمية نسبيا داخل الأردن، وأصروا على محاولة أخرى لرفع إشارة المخابرات العجيبة.. ووافقت بعد تردد كبير، وجاءني خبر منهم أن الأمر انتهى قطعا، وأن باستطاعتي الدخول دون عرقلة، وأن صفحتي لدى المخابرات (بيضاء) أو تم تبييضها!
رغم ذلك.. لم أحاول إلا عندما كنت في جولة سفر أخرى، فتوقفت في مطار عمان وفي نفسي أنه إن لم يتم الأمر تابعت السفر، دون كلفة زائدة أو تعطيل وقت طويل؛ وهذا ما حدث بالفعل، مع ملاحظتي أن المطار جديد، وأن قاعة الترحيل أصبحت كبيرة (تليق بمطار كبير وحديث!).. وعندما سألت لاحقا عن المشكلة، اعتذر لي صاحبي اعتذارا شديدا وقال إن المسؤول الذي أعطاه المعلومات أخطأ ففتش في السجل عن اسم مشابه بدلا من اسمي الرباعي!
حتى ذلك اليوم لم يكن يدور في خلدي أن أكتب خمس حلقات تحت عنوان مخابرات، فجميع ما جرى كان من باب مضايقات فحسب، قد تكون جديرة بالحديث، ولكن لم يعد لقضايا إزعاج (الإنسان) ومصادرة بعض حرياته مكان الأولوية لدى أصحاب الأقلام وهم يرصدون قتل الإنسان، وتعذيب الإنسان، وقهر الإنسان، وتشريد الإنسان، وتجويع الإنسان، ولا يوجد شيء من ذلك دون أن يكون فيه نصيب للمخابرات أو أجهزة الترويع التي تسمى زورا وبهتانا أجهزة أمنية.
أما الذي دفعني إلى الكتابة فهو ما عايشته أواخر رمضان ١٤٣٤هـ، ليس معي مباشرة ولكن رأيت بعيني ما كنت أقرأ أو أسمع عنه وما هو أفظع منه، أو أشاهد صورا عن (نماذج ثقيلة) له على الشاشات الصغيرة.
مررت بمطار عمّان مجددا إذن وتكررت المشكلة، وجلست في قاعة الترحيل الكبيرة تلك أكثر من عشرة ساعات، وكان فيها ٣٨ مقعدا، ولا شيء آخر.. والتقيت هناك بحوالي عشرة من السوريين وآخر فلسطيني (ونساء في غرفة مجاورة) ولاحظت أنهم جميعا ممن كانوا حريصين على صيامهم وقيامهم وتلاوة الكتاب المرافق لهم في سفرهم.
كان لكل منهم قصة، وأصدّقهم فقد انعقدت بيننا علاقة طيبة، تكفي لتقدير أنهم صادقون، ولم أجد في أي من تلك القصص ما يرتبط بأمر من شؤون الأمن ولا حتى الهجرة.. فكأن المخابرات حريصة على أن يكون في تقريرها لأسيادها أن عدد من تم ترحيلهم بلغ كذا وكذا من هذا البلد أو ذاك من البلدان الشقيقة.. أما ما عايشته وعايشه هؤلاء معي هكذا جهارا نهارا فقد كان مع ١٧ شخصا من البنغال، يبدو عليهم أنهم (جماعة مساكين) ولا أدري ما الذي أوصلهم إلى الأردن. ولكن فوجئت بعدد كبير من عناصر المخابرات يدفعونهم دفعا إلى الدخول، وحمل بعضهم عصيا، وانهالوا عليهم ضرباً يرافقه الصياح، طالبين جوازات سفرهم التي أخفوها في متاعهم، وهو ألبسة رثة في حقائب عتيقة، إذا بمحتوياتها تنتشر خلال دقائق على أرض القاعة فوق بعضها بعضا، وعملية الضرب والصراخ مستمرة أمام أعيننا، فواضح أنهم لا يخشون حسابا ولا عقابا في هذه الحياة الدنيا، ونسوا الحساب والعقاب في الآخرة.
واستمر المشهد حوالي ساعة من تلك الليلة (الرمضانية).. لم ننم خلالها لحظة واحدة، وما كان باستطاعتي النوم ولو ساد الهدوء، ولكن تلك المجموعة سقطت تعبا وألما على الأرض.
لا أقول ما أتعسهم.. بل ما أتعس عنصر المخابرات عندما يفقد إنسانيته.. وما أتعس الحاكم المسؤول عما يجري في بلده على حساب إنسانية الإنسان.. وما أتعس من يرى ولا بصيرة له ليتحرك، ويسمع ولا وجدان له ليقاوم، ويقرأ ولا عقل له ليفكر بمصير بلاده وأولاده وأحفاده.. ثم ما أتعس بلادنا إن لم تشهد الخلاص ليعيش أهلها كراما، ولتستقبل زوارها بالكرامة التي يستحقونها، عساهم يكتبون عنها شيئا آخر غير ما نشرته تحت عنوان مخابرات ناهيك عمن كتب قصصا يشيب لها الولدان، ومن لم يعد قادرا على الكتابة أصلا، لانتقاله إلى جوار ربه على أيدي المخابرات التعيسة.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب