مخابرات – فلسطين بين الإسلام والمخابرات

ذاكرة – خطورة الغباء في بعض أجهزة المخابرات

مخابرات – فلسطين بين الإسلام والمخابرات

ذاكرة

كان من عناصر المخابرات، كما يعلم ذلك القاصي والداني في السفارة السعودية في بون، التي اشتغلت في القسم الصحفي فيها لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، أعد تقارير حول الأوضاع السياسية والاقتصادية في ألمانيا، وأتحاور حولها مع السفير جميل حجيلان (رحمه الله) وكان ديبلوماسيا مثقفا ومحترما، وعندما تبدّل ولم يخلفه من يملأ مكانه، انتهزت أول فرصة للاستقالة.

في تلك الفترة من الثمانينات في القرن الميلادي العشرين ازداد الإلحاح شعبيا وحركيا على أن يكون للاتجاه الإسلامي دور أكبر في العمل لقضية فلسطين المحورية، بعد اهتراء اتجاهات أخرى في نكبة ١٩٦٧م وبعد انتشار الصحوة الإسلامية الشعبية. ومن روح الاستجابة لذلك الإلحاح تشكلت في ألمانيا (لجنة العمل الإسلامي لفلسطين) وضمّت يوم تأسيسها زهاء ثلاثين مغتربا من مختلف البلدان العربية والإسلامية، وصدر عنها أول بيان عرّف بتأسيسها وأهدافها.

بعد يوم أو يومين دخلت مبنى السفارة فوجدته.. وجدت ذلك العنصر من المخابرات، وقد وقف على مقربة من غرفة المكتب الصحفي الذي أعمل فيه، وحوله عدد من الديبلوماسيين والموظفين المحليين، وبادرني بالتحية:

– أهلا سيد شبيب..

– أهلا بك..

وتابعت المسير إلى الغرفة وهو يتحدث قائلا:

– لدي سؤال سيد شبيب..

وضعت حقيبة أوراقي على طاولة المكتب ورجعت لأقول:

– خيرا؟

– سمعت عن تشكيل لجنة أو منظمة، تتعلق بقضية فلسطين، هل تعرف شيئا عن ذلك؟

– نعم اسمها الرسمي: لجنة العمل الإسلامي لقضية فلسطين، وأحسب أن بيان تأسيسها وصل إليك.

– ما هي هذه اللجنة؟.. هل تعرف شيئا عنها؟

– نعم، فأنا من المؤسسين، وهي كما يقول اسمها لجنة.. العمل.. الإسلامي.. لقضية فلسطين.

– ولكن ما المقصود؟.. من هم المؤسسون؟

– كما قلت.. أنا واحد منهم وهم عدد من الطلبة والخريجين من بلدان عديدة

– من البلدان العربية؟

– العربية والإسلامية؛ فنحن لا نميز بين هذا وذاك في العمل لهذه القضية المحورية المصيرية.

كنت أعلم ما يريد، وبقيت أجيب بهدوء وبأسلوب التعميم، علما بأن اللجنة علنية وعملها علني، فلا يحتاج الأمر إلى جهد استخباراتي، ولكن كان الرجل فاشلا في عمله. قال:

– إذا عَلِمنا مَنِ القائمون عليها يمكن أن أسعى لتأمين دعم لهم.

– لا بأس، أنا أحد المسؤولين عنها، وإذا جئت بدعم مالي، يمكن أن يكون عن طريقي ما دمتُ موضع الثقة في هذه السفارة.

كان الديبلوماسيون والموظفون يتبادلون حولنا نظرات التساؤل عما سيفضي إليه هذا الحوار الرتيب المملّ بين طرفين يتجنبان ذكر القصد الحقيقي منه، ولكن أرهقته إجاباتي فوصل إلى ذلك القصد:

– هل يوجد أحد من المملكة (السعودية) في هذه اللجنة؟

– نعم يوجد، ويوجد من مختلف البلدان العربية والإسلامية كما ذكرت لك.

نفذ صبره فقال مباشرة:

– من هم؟ ما هي أسماؤهم؟

أجبت دون أن تتبدل نبرة الرتابة في كلامي قيد أنملة:

– لن أقول لك أسماء المواطنين من بلدك.. كيلا تبلّغ عنهم المخابرات التي تعمل فيها!

جن جنونه بمعنى الكلمة، فهو لا يبوح بعمله علنا، ويزعم أنه من الديبلوماسيين فحسب، وبدأ ينكر ويتكلم كلاما أقرب إلى الهذيان، ومضى بي يوسف المطبقاني (رحمه الله) السكرتير الأول من الديبلوماسيين إلى الغرفة، والرجل يرغي ويزبد، وعلمت بعد أيام أنه بعث بتقرير حولي إلى وزارة الخارجية، فبعثت بمذكرة رسمية إلى السفير تستفهم عن الأمر، ولكن علاقتي المهنية الجيدة بالسفير جعلته يتدارك المشكلة، فبقيت في عملي وغاب الرجل عن أنظاري بعد ذلك اليوم.

٠  ٠  ٠

في تلك الفترة انتشرت كتاباتي في وسائل إعلامية عديدة ونُشرت لي بعض الكتب حول قضية فلسطين، وكانت مجلة الحرس الوطني في السعودية تنشر لي بحثا شهريا حول قضايانا والقضايا الدولية، ولعب ذلك دوره في استضافتي سنويا للمشاركة بالمحاضرات في الجنادرية، وهي مؤتمر فكري سنوي ضخم برعاية الحرس الوطني، وبمشاركة محاضرين إسلاميين وعلمانيين.

في تلك الفترة كان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وانتشار دعوات الجهاد هناك، وشاركت في ذلك منظمات تبنت فكرا متشددا وسعت لاستقطاب شباب مسلم في مقتبل العمر، ومن الوسائل لذلك منتديات الحوار الشبكي التي سبقت ظهور مواقع التواصل الاجتماعي.

واستعان بي شاب مسؤول عن منتدى السقيفة الحواري لأواجه ما اعتبره حملة تغرير بالشباب المترددين على السقيفة، ومن ذلك أن المتطرفين كانوا يربطون كلمة الجهاد بفكرهم وبكلام مرسل، ويستغلون حماسة الشباب للنفير في أفغانستان كما يقولون، دون ما يحتاجه أي مجاهد، من إعداد نفسي وأسروي معيشي وما يكفي من العلم والمعرفة والوعي. استجبت لطلب المسؤول عن السقيفة فساهمت واقعيا في عمل يلتقي في محوره وتفاصيله مع السياسة الرسمية السعودية آنذاك، وإن كنت حريصا وما أزال على تقييد هذا القلم بما ينطلق من اقتناعي الذاتي فقط.

فجأة.. صدر قرار من المخابرات السعودية بإغلاق منتدى السقيفة الفكري الثقافي الإسلامي، والقيّم بمعنى الكلمة، وعللت المخابرات القرار بأنه من (المنتديات الجهادية).. بعد استشراء تزوير معنى كلمة الجهاد نفسها فكأنها تهمة تلاحقها المخابرات والمحاكم العشوائية!..

إن هذه الواقعة تعني دون رتوش جهاز مخابراتٍ يسيطر الغباء عليه قد أغلق منبرا من منابر توعية جيل الشباب، وأن هذا القرار من نتائج نشر فوضى المصطلحات لدرجة الطعن في أسمى المعاني في وعينا المعرفي الإسلامي الحضاري العروبي الإنساني.. أما آن الأوان إذن لدق ناقوس الخطر، وبذل ما يكفي من الجهود المدروسة لاستعادة أنفسنا؟..

لم أتوقع في حينه أن يصيبني بعض الرذاذ من ذلك الغباء المخابراتي، ثم لاحظت أنني لم أعد أتلقّى الدعوة المعتادة للمشاركة في الجنادرية، واتصلت بأحد من أعرف من المطلعين من المسؤولين عن التحضير للمؤتمر، وتربطني به علاقة قائمة على الثقة، وسألته إن كان يوجد سبب للانقطاع المفاجئ، فقال بلهجة من لا يملك من الأمر شيئا، سوى عبارة مرفقة بضحكة ساخرة:

– نعم.. نعم.. اسمك ورد في قائمة استخباراتية لتصنيف الجهاديين!

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب