مخابرات – جواسيس على المصلين

ذاكرة – مخابرات مكشوفة ومنحرفة

مخابرات – جواسيس على المصلين

ذاكرة

**في مدينة بون، عاصمة ألمانيا الغربية سابقا، كان لنا منذ أواخر الستينات من القرن الميلادي العشرين، مصلى صغير، تموّله دراهم معدودات مما يقتطعه الطلبة والعمال من دخلهم المحدود، ويتردّد عليه مسلمون مقيمون، وآخرون عابرون، من مختلف الجنسيات، وكان معظم العابرين مرضى يقصدون ألمانيا للعلاج. **

كانت خطبة الجمعة التي حملت المسؤولية عنها في ذاك المصلى، تتناول أحيانا الاستبداد وأفاعيله، ومسؤوليته عن الكوارث والنكبات، وكان من ردود الفعل على ذلك أن بعض السفارات نظمت إقامة صلاة الجمعة داخل المباني التابعة لها، لتخفيف نسبة من يأتي إلى مصلى بون من موظفيها ورعايا بلدانها، بل إن السفارة المصرية قررت استخدام مركزها الثقافي العربي للصلاة يوم الجمعة، ولكن خصصتها للطلبة المصريين فقط، وأنذرت من يتردّد منهم على مصلانا الصغير (في شارع بيتهوفن) بالتضييق عليه في المنحة الدراسية وربما في تمديد جواز السفر! ولجأت سفارات أخرى كالسورية والليبية إلى أسلوب آخر، فبدأت ترسل عناصر مخابرات يتسللون بين المصلين للتجسس لدينا على من يرتكب جريمة (!) الاستماع إلى خطبة سياسية في مصلانا الصغير.

لم أحاول إقناع نفسي أصلا بالسكوت على ذاك التجسس، لا سيما وأن المصلين من العابرين كانوا يثقون بأهل المصلى، فلا يقدّرون وجود عناصر مخابرات يتسللون لإلحاق الأذى والضرر بهم.

لجأت إلى البيان المهذب تلميحا، فتحدثت في إحدى الخطب حول تناول الشؤون السياسية في الخطبة أحيانا، وأن الحديث عن أمور سياسية ليس حراما على عامة الناس مقابل من كانوا يخدمون الاستبداد والفساد، وقلت إنني لا أحب التدخل في السياسة في الأصل، ولكن لا بد من حرية إبداء الرأي تجاه ساسة بلادنا وهم غير منتخبين، ولا مفوّضين، ولكنهم يتدخلون في الشؤون الشخصية للأفراد، مثلا عبر المناهج في وسائل الإعلام التي تقتحم البيوت، ومناهج التدريس التي تطبق على أولادنا، ثم الانحرافات المدعومة لتوجيه أهلنا ثقافيا وفنيا وأدبيا، ناهيك عن إكراه المواطن على الرشوة في الدوائر الحكومية، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى.. فلتعذرني سفارات بلادنا إذن أن أتكلم في السياسة بين الحين والآخر، وإن كنت لا أخشى أن تنقل مخابراتهم ما تشاء، فهو مما أكتبه علنا في وسائل الإعلام على كل حال!

لم ينفع التلميح، فقررت أن أتبع أسلوبا آخر، فاخترت مخبرا من ليبيا كان أوقح من سواه، إذ اعتمد على عامل الثقة الذي جمعه في مكان الصلاة بأولئك الليبيين المرضى تحت العلاج في بون، فيطلب ببساطة التعرف عليهم، ويسجل أسماءهم وأرقام هواتفهم وعناوينهم.. ليمارس ما يمارسه من فساد في تقارير يعلم الله ما يكتب فيها! فحذرته في حديث جانبي من مغبّة عمله، وأنذرته بلطف أن يكفّ عن ذلك، فأنكر أنه من المخابرات أصلا، فذكرت له اسمه ومسقط رأسه وقرابته العائلية مع القذافي المستبدّ، ولم يرتدع. بعد صلاة الجمعة التالية دخلت في حلقة جمعها حوله، وفيها من المصلين من المرضى الليبيين من فيها، فقلت أريد أن أعرّفكم ببعضكم بعضا، فلان طبيب يتخصص، وفلان طالب هندسة، وهذا مريض تحت العلاج لا أعرف اسمه.. وجاء دوره فقلت: وفلان من البلدة الفلانية في ليبيا، وهو عنصر في المخابرات الليبية، يعمل حاليا في التجسس على المصلين من المرضى الليبيين في هذا المصلى الصغير في ألمانيا. استشاط غضبا وأحدث ضجة، ولكن غاب بعد ذلك ولم يعد!

قلت في نفسي سيلحق به آخرون من صنائع سفارات عربية أخرى، فلم يفعلوا، وكأنهم قطعة عضوية من الطغيان. لا بدّ إذن من أسلوب آخر أيضا يعتمد على أن المخبرين معروفون، سيماهم في وجوههم، وتظهر هويتهم على فلتات ألسنتهم. وكنت أراهم أثناء خطبة الجمعة جالسين متجاورين، يأخذون مواقعهم في مؤخرة الصفوف ويراقبون من يدخل ومن يخرج، ثم يعملون على استخلاص المزيد من المعلومات بعد الصلاة، عندما يتلاقى المصلون لفترة وجيزة في أحاديث جانبية ودردشات.

في خطبة تالية، ذكرت من البداية أنني سأتحدث اليوم عن المخابرات، وكان هذا كافيا لتشرئب أعناقهم وتجحظ أبصارهم.

بدأت بقصة الهدهد مع سليمان عليه السلام، فقد كان في مقام المخبر عن وضع بلد قريب..

وانتقلت إلى عمل بعض من كان يبعث بهم الرسول صلى الله عليه وسلم لتفرقة الأحزاب في غزوة الخندق أو لاستكشاف الطريق قبل فتح مكة..

وتحدثت عن الفارق بين التجسس والتحسس الذي مارسه الفاروق رضي الله عنه ليطمئن على احتياجات رعيته ويلبيها..

وانتقلت إلى العصر الحاضر وكيف تعمل المخابرات، بما فيها المعروفة بممارسات قذرة، كالموساد والمخابرات المركزية الأمريكية، فترتكب ما ترتكب مع الاعتقاد أو الوهم أنه في مصلحة شعب بلادها، ولا تأبه بما تُلحق من ضرر بشعوب وأوطان أخرى.. 

ثم قلت: أما المخابرات في بلادنا حديثا، فقد أنشئت لتكون قطعة عضوية من ممارسات الطغيان لقهر الشعوب في الداخل، وتتعاون عدا ذلك مع مخابرات أجنبية في الخارج.

ووصلت إلى حيث أردت: هذه المخابرات ترسل عناصرها إلى مكان كهذا المصلى الصغير، لتتجسس على أبناء الوطن في مغترباتهم، وكأن السفارات التي ترسل بهم لا تعرف أن مهمتها الأصلية هي خدمة رعايا بلدانها، وليس ترويعهم وإلحاق الضرر بهم!

ثم توجهت نحو الجالسين في مؤخرة الصفوف بالكلام المباشر: هنا يجلس مخبرون من سورية وليبيا والمغرب، أعرفهم فردا فردا، وبلغني أنهم ينقلون ما يقال مغلوطا أو ناقصا، وأطالبهم ألا يأتوا في جمعة قادمة إلا ومعهم آلات تسجيل يضعونها أمامهم، لينقلوا ما يريدون نقله بشكل صحيح، وإلا فسوف أفضحهم على الملأ!

بعد ذلك اليوم لم أر أحدا منهم في مصلانا الصغير في بون.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب