ذاكرة
حرمتني بطولة كرة القدم في مصر عام ٢٠٠٧م من النوم، ليس قلقا على الفريق الخاسر وأحبابه، وليس عشقا لكرة القدم أو كرها لها، إذ أعترف أنّني لم أصل يوما إلى مستوى الهواة المخلصين ناهيك عن اللاعبين المحترفين، وإن لم يخل الأمر من متابعة بعض البطولات والمباريات بين الحين والحين، ولكن صادفت مباراة البطولة المذكورة آخر يوم من أيام زيارة قصيرة في أرض الكنانة، وصادف أن كان مقرّ إقامتي القصيرة في شارع جامعة الدول العربية، ويبدو أنّ نهاية المباراة كانت إيذانا بانطلاق السيارات والمجموعات الصغيرة والكبيرة من الشبيبة، المؤيدة للفريق الفائز، وكأنهم أقسموا على ألاّ يتركوا عينا تغفو ولا أذنا ترتاح، حتى الصباح.
ومعروف أن زعيق أبواق السيارات لا ينقطع في كثير من المدن العربية والإسلامية، ومنها القاهرة، وأن شارعا كالشارع الذي سكنت فيه لا يعرف الهدوء يوميا إلى ما بعد صلاة الفجر، ولكنّ تلك الليلة سجّلت رقما قياسيا بالمقارنة مع كل ما عرفته مباشرة أو سمعت عنه، وجمعت ما بين صراخ الأبواق وهتافات الحناجر مع زعيق عجلات السيارات.
٠ ٠ ٠
لا يقتصر الأمر على مصر والبطولات الرياضية فيها، ونذكر مثلا من عام ١٩٩٨م أن تنظيم البطولة العالمية لكرة القدم في فرنسا، خُصصت له صفحة على شبكة العنكبوت العالمية لمتابعة أيام البطولة وأحداثها، فضربت رقما قياسيا بوصول عدد المعلومات والصور المنقولة عبرها إلى أكثر من مليار معلومة، وجاءت بطولة عام ٢٠٠٢م فأعلن الاتحاد العالمي لكرة القدم أنّ الموقع الذي أنشأه للبطولة استقبل من الزيارات ما تجاوز رقم المليار منذ الأسبوع الأول من أسابيع المباريات التي بلغت ٦٤ مباراة. وهذه أرقام خيالية، لم يصل إلى مثلها أيّ موقع آخر على الشبكة، بما في ذلك مواقع الموسوعات العلمية، والمواقع الحكومية الشاملة، والمواقع التابعة للجامعات ومعاهد البحوث، أو المواقع الإخبارية الكبيرة التي تتصدّر القائمة عادة.
وكان الموقع الرسمي المذكور للاتحاد العالمي واحدا من مئات المواقع الرياضية وربّما الألوف، التي تابعت الحدث الرياضي الكبير، كما أنّ الشبكة العالمية ليست إلاّ وسيلة واحدة من وسائل الإعلام العديدة التي نشطت في مواكبة الحدث، بالكلمة والصورة والنقل الحيّ والمعلومات الخلفية والتعليقات والتحليلات، ممّا شغل الجرائد والمجلات والإذاعات والتليفزيونات في مختلف أنحاء العالم، على امتداد أسابيع المباريات العالمية، ولم يكن هذا يشغلني كثيرا إلا في حدود ما تطلبه المهنة الإعلامية، ولكنه يشغل نسبة عالية لا يستهان بها من جيل المستقبل؛ فما هي الحصيلة؟
هل تكمن الحصيلة في المتعة التي يشعر بها هواة الرياضة؟
لا اعتراض على أيّ متعة بريئة ما دامت لا تسبّب خللا في التوازن المطلوب على صعيد التربية القويمة، التي لا يكون فيها التركيز على جانب دون آخر، ولا تؤدّي إلى تحوّل بعض ألوان المتعة إلى هدف قائم بذاته يطغى على ما سواه، من الأهداف الكبيرة والحاسمة في صناعة المستقبل.
هل الحصيلة في الشهرة التي يبلغها نجوم الكرة؟
من السذاجة بمكان الاعتقاد بإمكانية الفصل بين تلك الشهرة وبين عنصر المال وقد بات يتحكّم بأقدام اللاعبين ورؤوسهم وبمخطّطات نواديهم واللجان الوطنية والدولية القائمة على تنظيم بطولاتهم، أكثر من أيّ عنصر آخر، ناهيك عمّا أصبح يرتبط بعالم الكرة من صفقات بالمليارات، لشراء حقوق البثّ المباشر من جانب الشركات العملاقة في تشغيل وسائل الإعلام، وهي تجني أضعاف ما تدفع اعتمادا على الدعاية لشركات عملاقة أخرى تجد في المباريات ما لا تجده في سواها من إمكانية الوصول إلى أبصار مئات الملايين من البشر في أنحاء الأرض بالترويج لبضائعها وخدماتها بأساليب مدروسة محكمة.
٠ ٠ ٠
أرى التربية الرياضية والمباريات الرياضية جزءا أساسيا لا ينبغي إسقاطه من مناهج التربية، ولا التهوين من ضرورة الاهتمام به على مختلف المستويات، ولكنّه ككلّ ميدان آخر من ميادين المتعة والتربية، وسيلة، ولا تستقيم الوسيلة ما لم تنضبط بضوابط الهدف المراد منها، وما لم تكن جزءا من مخطّط تربيوي أشمل لا يهمل الميادين الأخرى، فهل هذا هو حال كرة القدم ومبارياتها وبطولاتها العالمية اليوم؟
في بعض بلادنا العربية والإسلامية كثيرون ممّن يأسفون لعدم وصول أي فريق إلى القمّة في النهائيات، وليس من الإنصاف ما يتردّد أحيانا من أشكال توجيه اللوم إلى اللاعبين أو المدرّبين أو المسؤولين عن صناعة القرار الرياضي كجزء من القرار السياسي، فالسبب الرئيسي بكلّ بساطة، هو أنّ الفرق المتألّقة عالميا، إنّما أتقنت كرة القدم، كتجارة وصنعة، أمّا إتقانها إياها كلعبة، فليس إلاّ من قبيل توظيف تلك اللعبة كوسيلة لتحقيق الغرض المادي من التجارة والصنعة.
فهل ينبغي تعبيد الطريق عبر صفقات لشراء اللاعبين واستيراد المدرّبين؟
قد لا يكون بأس في ذلك إذا أردنا منه تطوير فرع اقتصادي جديد، أمّا إذا كان المطلوب تطوير مباريات كرة القدم لتكون فعلا رياضة ومتعة تربيوية، فأوّل ما ينبغي الحذر منه هو نظرة التقليد الأعمى تجاه من سبق في هذا الميدان.
ليست الرياضة بأشكالها المختلفة بما فيها كرة القدم ميدانا شاذّا عن سواها، ولقد رصدنا على سبيل المثال كيف أنّ كثيرا من جوائز التشجيع والتكريم التي نشأت بغايات نبيلة في الأصل، كجائزة نوبل للسلام، أو الجوائز الأدبية والفكرية والفنية الغربية التي لا تحصى، باتت خاضعة لعوامل أخرى، غالبها سياسي، فلم تعد تحقّق الغرض منها، ولم تعد تحظى بالمصداقية التي كانت تحظى بها.
كرة القدم وكثير من أنواع الرياضة الأخرى، أحقّ من سواها بالاهتمام للعودة بها -على المستويات الوطنية على الأقل- إلى حيث ينبغي أن تكون، وسيلة من وسائل المتعة والتربية، وسبيلا من السبل المتكاملة مع بعضها بعضا، لتكوين جيل من الشبيبة، سيحمل على عاتقه مسؤولية صناعة المستقبل، ولن يحملها كما ينبغي إذا أصبحت الرياضة ملهاة تشغله عمّا سواها. ولا يعني ذلك الدعوة إلى العزوف عن المشاركة في البطولات العالمية، ولكنّها هي الدعوة إلى تعزيز النظرة المتوازنة القويمة إلى تلك المباريات والبطولات، وإلى الغرض منها على صعيد التفاهم بين الشعوب، والتنافس على الإنجاز، وتشجيع الشبيبة على العطاء، فآنذاك فقط تكون المشاركة متميّزة بالروح الرياضية التي بدأت تضمحلّ تحت وطأة الأغراض المادية، وبالمتعة التي فقدت “براءتها” نتيجة النزعات العصبية، وبالتربية التي نحتاج إليها ، كيلا تصنع أجيال المستقبل من الكوارث على حساب البشرية، مثل ما صنعه وما يزال يصنعه المسيطرون على صناعة القرار العالمي في مختلف الميادين في جيلنا الحاضر.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب