ذاكرة
في الغرب، وهو عندي ديار الغربة حيث أقيم منذ عقود، اعتاد الناس عند وداع سنة ميلادية راحلة واستقبال أخرى، على تراجع نسبة الأحداث السياسية لأن كثيرا من السياسيين غائب في إجازة سنوية، فلا توجد مادة مثيرة تصلح لمآدب الإعلاميين عادةً إلاّ قليلا.
من ذلك قضية فلسطين ما بين عدوان دائم متكرر وتعليقات سياسية عدوانية سافرة على من يقاوم العدوان.
ومن ذلك مثلا آخر تحركات بطولية أمريكية ضد أحد البلدان الصغيرة.
ومن ذلك مثلا ثالثا تصعيد قوى خفية لحرب إجرامية داخل الحدود الوطنية.
إنّما لا يكفي ما سبق وأمثاله لتغطية حاجة الإعلاميين إلى ما يملؤون به الصفحات أو أوقات البثّ، فيعمدون إلى استعراض ما كان في سنة مضت وما يتوقعون من سنة مقبلة، كما هو معروف، ويعمدون أيضا إلى الاستفاضة في الحديث عن مواضيع أخرى بنسبة أعلى ممّا اعتادوا عليه على مدار العام.
كنت أتابع شيئا من ذلك في الصحف الألمانية، فاستوقفني مقال محوره الانزعاج من إحراق زهاء مائة وعشرين مليون يورو على الألعاب النارية في ليلة رأس السنة الميلادية، وتساءلت الصحيفة:
– ألا ينبغي التفكير بما يمكن صنعه بهذا المبلغ لمكافحة الفقر والبؤس في مناطق عشوائية منتشرة في آسيا وإفريقية وأمريكا الجنوبية؟ وتساءلتُ بدوري:
– إذا كان بعض الغربيين يفكّرون بهذه الطريقة حول رأس سنتهم الميلادية وما يصنع احتفالا بالمناسبة، فما الذي يمكن قوله عمّن ينفق المليارات ويشغل شعوبنا عن قضايانا الحيوية.
واستوقفني مقال آخر محوره مبادرة أستاذ جامعي لمكافحة انتشار ألفاظ وأسماء وتعابير ومصطلحات إنجليزية في التقارير والنشرات الرسمية، وضرورة صدورها بألفاظ وتعابير ومصطلحات ألمانية فقط، حفاظا على اللغة الأمّ.
وتساءلتُ بدوري بكثير من الألم عن نوعيّة الأفكار والمشاعر التي يحملها أستاذ جامعي عربي –مثلا- وهو يتحدّث في لقاء تلفازي ولا يستطيع الانفكاك عن استخدام كلمات إنجليزية للتعبير عمّا يريد، إمّا عجزا أو نتيجة عقدة نقص لديه، أو نتيجة اعتياد لسانه على استخدام لغة أجنبية في تدريس طلبة عرب في جامعته وعلى هجر لغته الأمّ.
كنت شاردا قليلا عندما تحدثت زوجتي لي فذكرتني بما ورد في حديث شريف أنّ خير البلاد مساجدها وشرّ البلاد أسواقها، واسترسلتْ في الكلام عمّا يُصنع في بعض بلادنا بمناسبة رأس السنة ومن دونها، حتّى أصبح التسوّق هواية وحتى ابتُكر لرعايتها وتنمية مواهب من يعشقها ما يسمّى مهرجانات التسوّق التي لا يوجد مثيل لها في بقعة أخرى من العالم. ووجدتني مع تداعي الأفكار والخواطر أمام صور أخرى مقابلة، هنا في هذا البلد الألماني الغربي، تعكس الحرص على أن تشمل المناهج التربيوية والتثقيفية زياراتٍ تقوم بها صفوف مدرسية وروابط شبابية، للمتاحف التاريخية والمعارض الثقافية والمراصد الفلكية وما شابهها؛ وكأنّهم يطبّقون التوجيهاتِ القرآنية الكريمة للسير في رحاب التاريخ والاعتبار بآثار الأقدمين، وفي رحاب الكون والاعتبار بقدرات الخالق.
أعلم أنّ في المجتمعات الغربية إلى جانب هذه الإيجابيات كثيرا من السلبيات والأمراض الاجتماعية والثقافية الخطيرة –ولست بصدد الحديث عنها هنا- ولكن فيها إيجابيات أيضا تدور حول محور الإنسان وصناعة الإنسان. والإنسان هو من يصنع -بمشيئة الله ونعمة العقل الربانية- منتجات الحضارة والتقدم.
والإنسان هو الذي يصنع العلاقات البشرية حربا وسلما، تعاونا واستغلالا، عدالة وظلما، مساواة وعنصرية، محبة وعداوة، ويصنع ممّا سُخّر له من طاقات بشرية وثروات مادية ومناهج قويمة حضارة وتقدّما أو تخلّفا وتأخّرا، واستقامة وكرامة أو انحرافا وإجراما، ويصنع أسرة بشرية واحدة، أو مآسي إنسانية رهيبة.
وصناعة الإنسان هي في محور التوجيهات القرآنية والنبوية، ممارسةً للمعروف وأمرا به، وهجراً للمنكر وتصدّيا له، فيكسب خيري الدنيا والآخرة، أو أحدهما، أو يخسر هذا وذاك وهو الخسران المبين.
والزمن يمضي بنا عاما بعد عام ويوما بعد يوم؛ أما آن الأوان أن نستحيي من الله بفكرنا قبل دعائنا، ونخشع بعملنا قبل مآقينا، ونلتزم بأداء واجباتنا قبل الجدل حول حقوقنا، وأن نربّي أنفسنا قبل تربية أطفالنا، وأن نعبد الله في أسواقنا كعبادتنا لله في مساجدنا؟
أما آن الأوان أن نجعل من إعلامنا وسائل نستخدمها لا أن نجعل من أنفسنا وأسرنا وأخلاقنا وسلوكنا أدواتٍ يستخدمها الإعلام، وأن نجعل من السياسة نهجا لخدمة مصالحنا لا قمعا لمن ينصحنا في ديننا ودنيانا، ونجعل من الاقتصاد نهجا لبناء بلادنا لا مرتعا لمنافع فاسدة تهدم ما بقي من وجودنا، ومن لغتنا سلّما لمجدنا لا مذبحا لتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، ومن سلوكنا مدخلا لمحاسبة أنفسنا قبل غيرنا؟
أما آن الأوان أن نعلم أن مستقبلنا حاضر الآن.. بين أيدينا، نملكه، فإمّا أن نصنعه ونرحل، أو يصنعه لنا سوانا.. ونرحل، كما يرحل هذا العام وسواه.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب