ذاكرة
قطع تجاوب المغتربين مع الثورة الشعبية في سورية أشواطا كبيرة، ولكن مهما أكّد من يعيش خارج الحدود أنه يتابع الأحداث، ويعيش مع أهله لحظة بلحظة، يستحيل أن تصل مشاطرة الآلام والآمال عن بعد، إلى أدنى درجة من درجات المعاناة نفسها، كما يعيشها ذوو الشهداء، ويعيشها الجرحى والمصابون، ويعيشها من يحاولون دفن شهدائهم وإسعاف جرحاهم ولا يستطيعون، إلا وهم في مرمى النيران الآثمة.
ولا يمكن توجيه اللوم إلى ثائر مخلص، إذا لجأ إلى كلمات شديدة من الغضب الممزوج بالألم، وهو يتحدّث عن مغتربين يتكلمون ولا يعملون، أو يعبر عن الأسى متهكما كالحديث عن ثوار الفنادق وثوار الخنادق.
في سائر الأحوال لا يستطيع المغترب أن يلزم الصمت، ولا يجوز أن يلزم الصمت، أو أن يقعد عن العمل، مهما بدا العمل الذي يستطيع إنجازه صغيرا بالمقارنة مع أي قطرة دم تراق على أرض الوطن أو أي آهة ألم تنطلق في أجوائه.
وكل من يفقد من المغتربين الرؤية الموضوعية مع الأمل، والرؤية الموضوعية مع الألم، يسقط في غربتين، الغربة عن وطنه وأهله، والغربة عن ثورة شعبه.
٠ ٠ ٠
لقد بلغت معاناة شعب سورية حدودا قصوى نتيجة الإجرام الأسدي الفاحش المتواصل، كما بلغ العمل الثوري مستوى بطولات شعبية شبه أسطورية، وأصبح تصعيد الإجرام مؤشرا على أن العصابات الأسدية وصلت إلى حالة الجنون الهستيري، بعد التقتيل بلا حساب والتدمير بلا تفكير، انتقاما همجيا عشوائيا من الأحرار، والشعب السوري شعب الأحرار، ولذا سيكون مصير تلك العصابات شرَّ مصير في الحياة الدنيا، ولعذابُ الآخرة أشدّ وأبقى.
ولا يخفى هذا الوضع على أي قوّة دولية مهما راوغت التصريحات الرسمية بصدده، فما كان يوصف بنظام حكم، أصبح مجرد عصابات، لا يفيد حقنها بالسلاح وبالمناورات السياسية، والعصابات في حالة موت سريري كالجثة الميؤوس من إنعاشها، إنما هي مناورات لا جدوى منها، تصدر عن حرص أعمى على إيجاد وضع بديل يكون كسلفه لينسجم مع ما اعتادت عليه القوى الإقليمية والدولية من توازنات سياسية وعسكرية.
كلا.. إنّ هذه الثورة الشعبية التاريخية في سورية ستغيّر هذه التوازنات شاء أصحابها أم أبوا..
إن هذه الثورة الشعبية التاريخية في سورية ثورة تحرير إرادة الشعب تحريرا ناجزا غير منقوص، لتحتلّ سورية من خلاله الدور الإقليمي الحقيقي الذي لا يتحدثون عنه، إذ سيكون بصيغة تحرير إرادة الشعوب، وليس بصيغة التوازن بين قوى محلية مرتبطة بقوى أجنبية دولية..
لن يقوم توازن تبعيّ جديد بعد القضاء على عصابات الإجرام الهمجي الأسديّ، ولن تعرف سورية وضعا جديدا على حساب كرامة الإنسان وحرية الإنسان وحقوق الإنسان في الوطن السوري نفسه، وفي المنطقة بأسرها.
الألم كبير بسبب معاناة الشعب الثائر، ولكن آلام بلال وسمية هي التي أوصلت جيل التغيير في قلب مكة المكرمة إلى مشارف الصين وشمال القوقاز وقلب الأندلس.
ولئن كنا نعيش في عصر لا حاجة فيه إلى جيوش المقاتلين بالضرورة، فإنّ النصر في سورية وفي ربيع الثورات العربية لن يكون دون أثر تاريخي مستقبلي بعيد المدى، على صعيد انتشار القيم والأفكار والرؤى والمناهج التي تعيد للإنسان إنسانيته، وللبشرية تألّقها الحضاري.
٠ ٠ ٠
لا يستطيع قلم مغترب أن يواسي بمثل هذه الرؤية قلب ثكلى واحدة من خنساوات سورية الثكالى..
لا يستطيع أن يخفّف حرقة آهة ألم واحدة من جريح لا يجد ضمادا في أرض سورية..
لا يستطيع أن يشتري رصاصة واحدة تدافع عمّن يتلقّون القصف من الجوّ والبرّ في أنحاء سورية..
ولكن كلّ من لا يزال قادرا في سورية وخارج سورية، عليه أن يواسي ويدعم بكل ما يملك من وسائل وإمكانات، ولا يجهل أنه يساهم بذلك في صناعة مستقبل أبنائه هو، وأحفاده هو.. داخل سورية وخارج حدودها.. وعسى بعد ذلك أن ينجو بنفسه يوم الحساب، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وكلّ من يتردّد عن ذلك سيرحل عن هذه الحياة الدنيا ويقف بين يدي ربّه فيسأله وقد لا يجد جوابا، فليعدّ الآن من خلال عمله من أجل أن يكون جوابه حاضرا ولن يكون حاضرا ما لم يكن في طياته ما يقدّمه من الدعاء والمواساة وتخفيف المعاناة والدعم الحقيقي الفعال على كل صعيد يملك تقديم الدعم فيه.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب