**ذاكرة **
في مسار ثوري استمر أعواما عديدة، تركّز هذه اللمحات على جوانب إيجابية تمثل النصيب الأكبر من مواصفات جيل التغيير من الشباب والفتيات، إنما شهدت الغوطة أحداثا سلبية أيضا، وقد بلغت حد الخطورة بالاقتتال بين الفصائل الكبرى في المنطقة على حساب مسار الثورة الشعبية. وكانت أيضا موضع المتابعة في وقفات فكرية وإعلامية، وحتى بعض الجهود الأبعد مدى في حينه، إنما لا ينبغي أن تحجب عن الأبصار أن جيل المستقبل بلغ من الوعي ما يبيح التفاؤل بتحقيق التغيير الجذري على يديه، في الغوطة وفي دمشق وفي أنحاء سورية. وعناوين هذه اللمحات المختارة هي عناوين مقالات سبق نشرها في الموقع الشخصي (مداد القلم) وفي بعض الصحف والمجلات الثورية المعدودة التي ولدت مع ولادة الثورة الشعبية:
دوما الأبطال والشهداء (١٥ / ٨ / ٢٠١١م)
الغوطة مع آمال الصمود وآلام التضحيات (٢٧ / ١١ / ٢٠١٣م)
بين يدي الهيئة الشرعية لدمشق والغوطة (٦ / ٤ / ٢٠١٥م)
فتيات دوما حياة تنبض تحت القصف (٤ / ٤ / ٢٠١٧م)
حمزة في داريا.. شهداء وخنساوات ونصر مؤكد (٢٩ / ٤ / ٢٠١٧م)
٠ ٠ ٠
دوما الأبطال والشهداء
(١٥ / ٨ / ٢٠١١م)
دوما.. مدينة الإباء والعزة والثورة والصمود والبطولة والتضحيات..
دوما.. تصنع مع أخواتها في ريف دمشق ودمشق وفي سائر المحافظات السورية مستقبل سورية، وتطأ بأقدام أبطالها رؤوس الظلم والبغي والفجور الهمجي..
ولئن توقف القلم عند دوما مع أقصى درجات الحياء والاعتزاز فهذا ما يسري على كل مدينة، إنما يدين هذا القلم لدوما من ذكريات شخصية، لا تمّحي على مرّ السنين..
عرفت دوما ضاحية وادعة آمنة.. وأراها الآن ثائرة، هامتُها في السماء، وأقدام أهلها تطأ رؤوس عصابات الإجرام..
عشت فيها طفلا دون سنّ الوعي فلا تلوح لي من طفولتي فيها إلا صور متوارية خلف ضباب السنين.. وتتبدّى لي اليوم مشاعل مضيئة على درب الحرية والكرامة والعزة والإباء..
تردّدت عليها كثيرا في أعوام النشأة الأولى، فقد كانت بعد انتقال أسرتنا إلى دمشق، موطن جدّي لأمي رحمه الله، وكانت فرحتنا كبيرة عندما يصحبنا والداي -رحمهما الله- لنقضي نهارا كاملا في (البستان) نعدو على العشب، ونرتاح على ضفاف الساقية، ونستظلّ تحت الأشجار المزهرة في الربيع، ونتسلقها في الصيف لنقطف (المشمس) ونعبث لاعبين ضاحكين..
كان ذلك في يوم الجمعة من كل أسبوع.. وأصبحت أيام الجمعة في دوما الآن ومنذ شهور، هي أيام الثورة البطولية التي جعلت من أهل دوما في قمة سامية، تعانق التاريخ والحاضر والمستقبل، وتعلن في مظاهرة بعد مظاهرة، وجنازة بعد جنازة، وجمعة بعد جمعة..
يسقط الشهيد فيتقدم العشرات من ورائه لا يخشون الموت (شهداء بالملايين.. عالجنّة رايحين) ويُعتقل المئات فيخرج أهل دوما ألوفا مؤلّفة، يتحدّون السجّان، وكل سورية سجن كبير (الشعب يريد إسقاط النظام) وما كان النظام في يوم من أيامه السوداء نظاما، كما ينادون نصرةً لأخوات دوما: درعا وحماة وحمص وبانياس ودير الزور واللاذقية وغيرها وغيرها (إحنا معاكي حتى الموت).. فيصمّون بندائهم آذان مجرم أصم، ويكسرون بصمودهم جبروت طاغوت أعمى، ويعلنون للدنيا: لا بقاء بعد اليوم لعصابات البغي والفساد والإجرام.
كم شهدت ساحة الشهداء في دوما من الشهداء..
كم من شهيد صلّى عليه أهل دوما في الجامع الكبير حتى أطلقوا عليه اسم (مسجد الشهداء)..
كم من شهيد استقبلته مشافي دوما حتى امتلأت البرادات في كثير منها بجثامينهم الطاهرة..
كم من شهيد في دوما سقط في يوم جمعة حتى غلبت تسمية يوم الشهداء لديهم على (جمعة التحدي)..
كم من المشيعين سقط شهيدا برصاص الغدر على جموع أهل دوما وهم يشيعون الشهداء..
لقد أعلنت دوما ثورتها مع اليوم الأول من الثورة.. وشهدت دوما يوما بعد يوم أعنف جرائم رأس العصابات الهمجي بحق أهلها.. ولم يمض من ذلك يوم واحد إلا والثورة تزداد لهيبا وانتشارا في دوما.. لتشمل مع دوما أخواتها في ريف دمشق، وتتعانق مع الثائرين في قلب دمشق، وفي مختلف المدن والبلدات السورية.. ولتقول جميعا كلمتها التاريخية الحاسمة:
ارحل أيها الهمجي.. فقد أصبحت من أشباح الماضي
ارحل إن استطعت.. فليس لك مكان في سورية بعد اليوم إلا في ظلمة السجن أو ظلمة القبر..
إن شعبا فيه من الثوار الأحرار الأبطال مثل ما في دوما الأبية، لا يمكن بعد اليوم أن يركن إلى الظالمين..
فأبشري بالنصر القريب يا مدينة دوما الحبيبة.. وأبشري بالنصر القريب يا سورية.. {ألا إنّ نصر الله قريب}
٠ ٠ ٠
الغوطة مع آمال الصمود وآلام التضحيات
(٢٧ / ١١ / ٢٠١٣م)
أهلي في غوطة دمشق.. غوطة آلام المخاض على طريق النصر بإذن الله..
أهلي في حرستا والمليحة وعربين وعقربا وكفر بطنا ومسرابا ومديرا..
أهلي في زملكا وسقبا وحمورية وبيت سوى وأخواتها..
وأهلي في جوبر.. الطود الشامخ عزة وإباء وصمودا فوق الأنقاض..
كم عاش أهل دمشق وغير دمشق على خيراتكم، وكم أمنوا على أنفسهم أن يجوعوا يوما أو أن يحتاجوا في لحظة من اللحظات إلى تسوّل الغذاء من خارج الوطن، ما دامت الغوطة تعطي عطاءها، وما دام قاسيون منتصبا شامخا بعزة الشام وتاريخ الشام عبر القرون..
وها هم أهل دمشق وغير دمشق يعيشون الآن على وقع آلامكم وصمودكم عبر ما تبذلونه من أجل حرية شعبكم ووطنكم وحرية الإنسان في هذا العالم المظلم المعاصر..
أهلي.. الذين تنبض دماء القلب في معاناتكم.. ويضيء الأمل فيه من جديد مع كل نصر يحققونه..
يا ويح من يصبر على قعوده وهو قادر على غوثكم ومناصرتكم، فلا يفعل، وهو يعلم ما يواجهه أهل العزة في أرض العزة، بلا غذاء ولا دواء، بلا ماء ولا كهرباء، بلا وقود في صقيع الشتاء، ولا أمن في عالم مظلم لا يساوي آهة حرّى في قلب أم رؤوم في دياركم، ولا أنّة ألم طفل من أطفالكم..
يا أيها الصابرون على المعاناة حيث أنتم، والأبطال الصابرون في الساحات.. لن يبقى في سجل تاريخ هذا الوطن الأبي بعد أيامكم هذه أحد ممّن يلطخونه بعار استبداد وفساد وتسلط وإجرام..
يا أهل الغوطة.. ويا أحياء دمشق الثائرة..
يا أهلنا في كل بقعة طهرتها دماء الشهداء من الحقد الأسدي الأسود..
تصعد روح طفل رضيع بريء إلى بارئها فيردد ألف لسان ولسان قسم الصمود حتى النصر..
ويسقط الشهيد منكم فيولد مع الآمال ألف بطل مقاتل وبطل سيصنعون المستقبل بإذن الله..
أنتم من راهن على تراجعكم أولئك الذين يعطون المهلة بعد المهلة بعد المهلة ويطلقون الكذبة بعد الكذبة بعد الكذبة..
يراهنون على سقوطكم أنتم في بوابة دمشق.. لاستكمال مشوار المساومات إلى المجهول.. ولم تسقطوا..
يراهنون على هزيمتكم باستسلامكم.. لاغتيال الثورة بما يسمونه حلا وسطيا يضعون من خلاله مجرما آخر بحق شعبه يتبع لهم وينفذ مؤامراتهم.. ولم تستسلموا..
لن تخيب آمالكم والآمال المعقودة عليكم بإذن الله..
النصر قادم بإذن الله.. وسيتلاقى معكم يوم النصر في هذا الوطن الثائر جنود الحق ما بين معرة النعمان حتى درعا، ومن إدلب حتى دير الزور.. لترفعوا راية النصر في عاصمة الأمويين، ولتعود أرضنا مشعلا للحضارة البشرية، كما عرفتها البشرية ما بين أرض الصين وقلب الأندلس.. ويومذاك يفرح المؤمنون بنصر الله، ويعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون.
٠ ٠ ٠
بين يدي الهيئة الشرعية لدمشق والغوطة
(٦ / ٤ / ٢٠١٥م)
مسابقة لكتابة القصة القصيرة، في مرحلتين، وجوائز تشجيعية، ومشاركة شاملة للمئات من الناشئة والشباب، وأساتذة ضليعون في اللغة العربية وفن القصة، ومساعدون مبدعون من جيل الشباب.. جميع ذلك يمكن أن نشهده في ظل وضع مستقر ونظام حكم قويم وظروف اعتيادية.. أما أن يكون جزءا مما يصنعه أهلنا في غوطة دمشق على مستوى رفيع من الحرفية والوعي والعطاء والإنجاز، فذاك ما يشهد على إبداع هذه الثورة الشعبية التاريخية.
ومن يرى الشباب الناشئين في ظل تلك الجهود الهادفة، ويستمع إليهم، يزداد يقينه بأن مستقبل بلادنا سيكون في أيد أمينة إن شاء الله..
وقد شرفتني الهيئة الشرعية في دمشق والغوطة (الغوطة الشرقية) ففسحت لي المجال للحديث (عبر السكايب) في جمع كريم من الشباب والأساتذة الكرام، في لقاء انعقد مع اختتام مرحلة من المسابقة لكتابة القصة القصيرة، وحرصت خلال الحديث على الاستماع لا الكلام فقط، وأعترف بأنني فوجئت بما سمعت، وأكاد أقول إنني أحرجت بأن يطلب لمثلي أن يلقي كلمة توجيهية، وازددت اقتناعا بكلمة عشت معانيها وتطبيقها مع أستاذي الجليل عصام العطار، أنه لا يوجد أصغر من أن يعلم ولا أكبر من أن يتعلم.
إن ما اطلعت عليه مباشرة، حوّل الأمل إلى يقين، وكان مما اطلعت عليه مثلا كيف يضع أساتذة شباب مناهج للتعليم تعتمد أسلوب المشاركة المباشرة للتلاميذ بعيدا عن أسلوب التلقي والتعليم النظري المحض، وأسلوب المشاركة عرفناه ببعض أشكاله في مناهج التدريس في دول متقدمة، فبدا لي أنه أكثر تقدما وضبطا، لا سيما مع اقترانه بمنظومة القيم التي لا غنى لمنظومة تربيوية وتعليمية عنها، بينما صنع غيابها في مناهج دول متقدمة كثيرا من الكوارث على حساب تكوين الإنسان الفرد، والعلاقات الاجتماعية والتوجهات الثقافية، فباتت وسائل التقدم التقنية الحديثة مفتقرة إلى ما يوجهها إيجابيا، ولهذا يساء استخدامها رغم قيمتها الحضارية الذاتية الكبيرة.
وما يصنعه إخواننا وأخواتنا في الغوطة وسواها، رغم الحصار، ورغم الآلام، ورغم ضعف الإمكانات إلى أبعد الحدود، يضع القادرين أمام مسؤولية جسيمة لتقديم الدعم المادي والمعنوي، لا سيما ممن يعيش في أوضاع آمنة نسبيا خارج الحدود، فالعطاء يدعم مسار الثورة نحو النصر ميدانيا وسياسيا واقتصاديا، ولا يكتمل مفعوله دون دعم مسار الثورة على طريق رؤية المستقبل وبناء جيل المستقبل، لا سيما عبر أولئك الذين يحرصون على العمل المميز داخل حدود الوطن، ويقدمون من خلال عطاءاتهم ما هو جدير بالمعجزة التاريخية.
٠ ٠ ٠
فتيات دوما حياة تنبض تحت القصف
(٤ / ٤ / ٢٠١٧م)
منذ فترة لم تنقطع الرغبة في تسجيل بعض المشاهد الناطقة بالعزة والطاقة الثورية المتفجرة، مما عايشه كاتب هذه السطور أثناء تواصله قدر المستطاع مع جيل بدأ يصنع المستقبل للغد، وهو يصنع الثورة اليوم، لا سيما في سورية.
لم يكن سهلا تنفيذ هذه الرغبة فقد كان القلم يميل إلى ترتيب أولويات أخرى، ووجدت نفسي يوم أمس (٤ / ٤ / ٢٠١٧م) أمام مشهد جديد يطالبني بالوقوف أمامه موقف الإجلال والتقدير، مع ازدياد رسوخ الثقة بأن مستقبل شعوبنا وبلادنا تصنعه مسارات أخرى لا نتوقف لديها ونلاحظها إلا قليلا، غير تلك التي تثير فينا الألم ولدى بعضنا اليأس والقنوط، كما كان عبر مجزرة الكيمياوي الهمجية في خان شيخون، وقد غاب وراء الإحساس بقسوتها الحديث عما تتعرض إليه بقاع سورية أخرى، ومنها الغوطة الشرقية التي شهدت مئات الغارات خلال أيام معدودات، وسقط خلالها عشرات الشهداء ومئات الجرحى، وكان لمدينة دوما نصيبها من ذلك، وقد فقدت أكثر من ثلاثين شهيدا في بضع دقائق يوم ٣ / ٤ / ٢٠١٧م.
كنت على موعد في اليوم التالي في إحدى الجلسات لمدة شهر عبر الأثير مع عدد من فتيات دوما، في إطار دورة تدريب إعلامية عن بعد، وكنت أستحضر أمام عيني مشهد الأمس وأستعد لتأجيل الموعد، فما توقعت أن يتسنّى الحضور لفتيات في مقتبل العمر إلى مكان اللقاء من أنحاء دوما، حيث لا تنقطع الغارات الجوية الآثمة، ولا القصف المدفعي والصاروخي، وقد بات يتركز أكثر فأكثر على استهداف أماكن تجمع أهلنا المدنيين من أسواق ومؤسسات، انتقاما مما تتلقاه العصابات الأسدية المسلحة والميليشيات المستوردة من هزائم منكرة في ميادين المواجهة المباشرة في أحياء دمشق وريفها.
على النقيض من توقعاتي كان الحضور مكتملا.. واستحييت من نفسي.
رغم ذلك طرحت قابلية تأجيل الموعد إذا أرادت الفتيات ذلك، فلربما يفضلن البقاء قرب أهلهن ليطمئن الجميع على بعضهم بعضا.. ورفضت الفتيات إلغاء الجلسة أو تأجيلها.. واستحييت من نفسي مرة أخرى.
خلال ربع ساعة فقط في مطلع الجلسة سمعت عبر العالم الافتراضي خمس مرات صوت طائرة مقاتلة في أجواء دوما يعقبه صوت انفجار ما تلقيه من بضاعة الموت في مكان ما من المدينة، وقيل لي إنه على ما يبدو على بعد ٤٠٠-٥٠٠ متر من مكان تجمع الفتيات (لا أريد ذكره وأقدّر كثيرا جهود من يعملون هناك) حيث يوجد جهاز مشترك لتتابع الفتيات من خلاله ما يقدّمه المتحدث إليهنّ حول فن الكتابة الصحفية وهو يجلس آمنا وراء مكتبه على بعد أكثر من ٤٠٠٠ كيلومتر..
وتحت تأثير تعاقب الغارات عرض المتحدث مجددا قطع الجلسة بسبب الغارات المتعاقبة.. ولم توافق فتيات دوما على ذلك واستحييت من نفسي مرة ثالثة..
ثم سلّمت أمر مخاوفي لله، وتابعت الحديث إلى نهاية الوقت المخصص له وزيادة، وشعرت بأنني أصغر بكثير مما أقول وأنا أطالب الحاضرات، أن يعقدن العزم -إذا قررن خوض ساحات الإعلام المعاصر- أن تكون كل واحدة منها متميزة ومتفوقة بقلمها وبأداء الرسالة الإعلامية من خلاله وحمل أمانة الكلمة كما ينبغي، فأتحدث بذلك حديث من يوجّه جيل المستقبل كيف يعمل.. وأشعر أنني أمام جيل من العمالقة الكبار، صنع الثورة، وبدأ يصنع التغيير، وهيهات لهذا الجيل من شعوبنا الأبيّة أن يُقهر، مهما بلغ إجرام الطواغيت الصغار في بلادنا وأسيادهم في عالمنا.
إليكن يا فتيات دوما وإلى جميع من يعمل لصناعة المستقبل في دوما وأخواتها، فتيات وشبابا، أصدق تحية من أعماق قلب أحد الراحلين قريبا مع أمثاله من جيل يسلّم لكم الأمانة، ويدعو الله أن يحفظكم ويحميكم وينصركم.
٠ ٠ ٠
حمزة في داريا.. شهداء وخنساوات ونصر مؤكد
(٢٩ / ٤ / ٢٠١٧م)
في يوم ٢٩/ ٤/ ٢٠١١م انطلقت مظاهرة أخرى من مظاهرات الغضب الشعبي في حوران، وتوجّهت من الجيزة نحو درعا البلد، وعند مرورها قرب “مساكن صيدا” اعتقل جلاوزة الطغيان الاستبدادي عددا من المتظاهرين في مقدمتهم تلامذة من “مدرسة الأربعين” في درعا البلد، ومن هؤلاء حمزة الخطيب ورفيقه ثائر الشرعي، رحمهما الله وسائر شهدائنا من الأطفال وسواهم في أنحاء سورية وأخواتها، وأنساهم بالجنة ما ذاقوا من ويلات في دنيا الطغيان والخذلان.
لم تكن هذه المرة الأولى لاعتقال أطفال الثورة في درعا، بل كانت اعتقالات سابقة هي الشرارة لانطلاق المظاهرات في سائر بلدات حوران وأخواتها من المحافظات السورية، وكان من أوائل الأطفال المعتقلين في درعا:
معاوية وسامر من آل صياصنة، أحمد وعلاء ومصطفى ونضال وأكرم وبشير ونايف ونبيل ومحمد أمين من آل أبا زيد، وأحمد وعبد الرحمن من آل الرشيدات، وأحمد ومحمد أيمن من آل الكراد.. ويوسف سويدان، وعيسى أبو القياص.. وغيرهم.
كان حمزة ورفاقه ممّن كتبوا على جدران مدرستهم من قبل: جاك الدور يا دكتور، أي (آن أوان سقوطك مثل بن علي ومبارك آنذاك..) والخطاب للطاغية الصغير بشار ابن أبيه حافظ، ويبدو أن اعتقال الأطفال كان انتقاما لتلك الكتابة على الجدران، وإرهابا لأهل سورية، بعد أن بلغت إرهاصات ثورتهم الشعبية مداها.
ويعزّز القول بأن الهدف الأول هو ترهيب الأهل أن أجهزة المتسلّطين على سورية سلّموا يوم ٢١ / ٥ / ٢٠١١م جثمان حمزة الشهيد لأهله، وعلى جسده آثار تعذيب يشيب لفظاعته الولدان، ولم تكن تلك الأجهزة جاهلة بأن الصور المرعبة ستنتشر في كل مكان.. فكان مطلوبا أن تثير الفزع، فهل حققت ذلك؟
يبدو أنني من جيل ما قبل الثورة.. فقد رأيت تلك الصور يومذاك وانتابتني حيث أعيش على بعد ألوف الكيلومترات مشاعر رهيبة، وأغرقتني في التساؤل عن مصير الثورة طوال ليلة كاملة، فلم أستطع إنجاز شيء، ولم يستطع القلم التعبير عن أي خاطرة في أي اتجاه من الاتجاهات..
بدا لي أن الأمل الكبير الذي أعاده الشعب الثائر وأعاد معه الحياة لسورية وأهلها في المعتقل الكبير وفي المنافي قد واراه التراب الذي وارى تلك الأجسام اليافعة الطاهرة.. فأصبحت أتساءل، وأحسب أن كثيرا مثلي كانوا يتساءلون بمنطق ما قبل الثورة:
بعد انتشار تلك الصور منذا الذي يمكن أن يترك فلذات كبده يخرجون في المظاهرات السلمية ضد المتسلّط المجرم؟
وأتى الجواب من أمهات أطفالنا..
كانت درعا قد شهدت قبل أيام سقوط الفوج الأول من شهداء الثورة السلمية من جانب واحد، وكانت مدن أخرى (بانياس.. حمص.. وسواهما) قد سددت من دماء شهدائها الأوائل أيضا أولى دفعات ثمن الثورة طلبا للحرية والكرامة.. وتميّز شهداء داريا بالذات فقد عُرفت بأنها مع غيّاث مطر وأقرانه في مقدمة معاقل (الروح السلمية) للشعب الثائر.
في صباح اليوم التالي لانتشار الصور المرعبة القادمة من درعا، انتشرت أخبار مصورة أخرى قادمة من داريا، لمظاهرة انطلقت في شوارع المدينة ردا على جريمة قتل حمزة ورفاقه، وكانت مظاهرة للنساء السوريات الحرائر من الأمهات، وكان مشهدا لا يُنسى، ولا يكفي للوفاء له ذرف الدموع.. لقد خرجن في داريا وكل منهنّ تمسك بيدها فلذة كبدها وتصحبه معها، متحدية الطاغوت وجرائمه:
لن ترهبونا بالخوف على أولادنا.. ولن نبيع ثورتنا من أجل حريتنا وكرامتنا.
منذ تلك اللحظة لم يفارقني اليقين قط أن هذه الثورة الشعبية ستنتصر رغم إجرام الطاغوت ورغم كل من يسكت على إجرام الطاغوت ورغم أنوف كل من يشاركونه في إجرامه..
هذا شعب لا يمكن أن يعود إلى العبودية بعد أن دفع ثمن تحرره من دماء أطفاله وآلام نسائه وإحساس القهر في قلوب كثير من رجاله.
(ولا يغير من ذلك ما يجري من اقتتال في الغوطة الشرقية حاليا أثناء تحميل هذه السطور في موقع مداد القلم يوم ٢٩/ ٤/ ٢٠١٧م)
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب