**ذاكرة **
عايش جيلنا استشراء الموات تدريجيا منذ تفشّي بذوره مع الانقلاب البعثي الأول (٨ / ٣ / ١٩٦٣م) وعايش ذلك بعد أن انفرد الأسديون في سيطرتهم على السلطة، ووجهوا ضرباتهم الغادرة في كل اتجاه، اغتيالا وإعداما وتشريدا واعتقالا وتعذيبا واضطهادا، كما عايش استشراء الموات تدريجيا بعد إخفاق المحاولة الكبرى لإسقاط الاستبداد والفساد في مطلع ثمانينات القرن الميلادي الماضي.
والآن أيضا، في عام ٢٠١٨م، نرصد إخفاقات كبيرة ومؤلمة، ويشهد كاتب هذه السطور أننا نعايش أيضا بداية استشراء الموات تدريجيا بدرجة خطيرة، نتيجة تأثر سلبي بحصيلة تلك الإخفاقات، رغم إشادتنا جميعا بأطهر التضحيات والبطولات التي سجلتها أعظم ثورة عفوية شعبية تغييرية كبرى في التاريخ المعاصر.
يا أحفادنا من جيل التغيير..
هذه كلمات يخطّها القلم في منتصف نيسان / إبريل ٢٠١٨م، وقد تصل يوما ما إلى أحفاد من عاصر انطلاقة الثورة الشعبية في سورية.. وتنسكب الكلمات من مداد ما رصد كاتبها مع كل مبادرة لتجديد الأمل والعمل أو التفكير والتطوير، ورصد ردود فعل باتجاه اليأس وانتشار الموات مجددا في شرايين من وضعوا في حساباتهم النصر الحتمي رغم القصور في تأمين أسبابه، ولم يضعوا في حساباتهم نكسة أو عثرة أو هزيمة أو تخلفا عن ركب النصر، وكيفية علاج ذلك، فبات معظمنا غير قادر على تعامل تغييري مع شيء من ذلك، بل أصبح أقرب إلى التكيف مع واقع مهين مرفوض، ومن ذلك الاشتغال بما لا يتقن، عسى أن يعوّضه الخسارة في ميادين أخفق فيها..
من هؤلاء قيادات فصائلية.. وقد تحوّل قطاع كبير منها ومن حواشيها إلى ميادين الاقتتال الإعلامي حيثما التقى (مسلمان بقلميهما) في عالم افتراضي؟..
ومن هؤلاء نخب متعددة.. فإذا تجاوزنا قصور كثير منها عن الارتفاع بمستوى أطروحاتها لتوجيه أكبر ثورة شعبية تغييرية في تاريخنا الحديث، فكيف نتجاوز الآن عن تكرار ما كانت تصنع قبل اندلاع الثورة، وما كان مصدر ثورة أو نصر أو تغيير جذري من قبل؟..
ومن هؤلاء مجتهدون بمسميات إستراتيجية.. وسبق أن غابت عن طرح خطوات حاسمة من أجل رؤية مشتركة، وتخطيط مشترك، وعمل مشترك، وهذا على امتداد السنوات التي شهدت تراكم الضحايا من أطفال ونساء ورجال (وهم عند رب الأرباب في العليين بإذن الله) فكيف نتجاوز الآن أيضا عن استمرار الإستراتيجيين على وقوفهم عند حدود التشخيص دون علاج ودون آليات لإيجاد العلاج؟..
أما الإعلاميون من جيل المستقبل، فقد بذروا بذور ثورة إعلامية، فليحذروا من تضييع إنجازاتهم تحت تأثير المسار السلبي للأحداث، فالإبداع في الإعلام يهوي إلى الحضيض، عند الانحياز في موقف أو التعبير عنه؟..
يا أحفادنا من جيل التغيير..
حذار من تكرار ما نرصده من تحول قيادات فصائلية إلى (محرري أخبار) وتحول (مفكرين) إلى (ناشري مقالات) وتحول سياسيين إلى ممارسة ما كانوا يرفضونه من أساليب ندب وشجب وتخبط وتنديد وبيانات، وجميع ذلك أشد خطرا على الحاضر والمستقبل من القعود عن العمل أو الغياب الكامل عن ميادين السياسة وسواها؟..
يا أحفادنا من جيل التغيير.. احذروا من تقليدنا في طرح أعذارنا للبقاء دون أمل أو عمل أو رؤية؛ فذاك هو الموات قبل الموت!
إن استمرار الأمل مطلوب عند انتشار الإحباط تخصيصا، لعلاج هذا الوباء في جسد فرد أو جماعة أو شعب أو أمة، فهو كفن الموات..
إن استمرار العمل وتجديده مطلوبا عند السقوط في حضيض الإخفاق، للخروج من الحضيض، وإلا فلا بد أن يقع الموات قبل موت الأجساد..
السعي لرؤية مشتركة مطلوب عند تعاظم الاختلاف وعواقبه، للتوافق بعد أن ظهر للعيان أن تعزيز الاختلاف رؤية انتحارية..
يا أحفادنا من جيل التغيير..
لقد كشفت السنوات الماضية الكثير بعد اندلاع الثورة الشعبية الكبرى في سورية، وعسى يوجد بين معاصريها من أجدادكم من المخلصين من يتابع الطريق ويعمل للتغيير فإن فعلوا، فسيكون ذلك من أجلكم بعد رحيلهم، وآنذاك فليتقبلوا اعتذاري عن السطور السابقة، إذا أصابوا فيما يصنعون وأخطأت فيما ظننته متفشيا فيما بينهم..
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب