إلى أهلي الأحبة في ركن الدين

ذاكرة -.. في يوم يرونه بعيدا ونراه قريبا

إلى أهلي الأحبة في ركن الدين

**ذاكرة **

يا أحبابي في ركن الدين في دمشق الأبية..

لم أكن أتخيل ما أراه اليوم عن بعد وقد انضم فوج الأبطال من حيكم العزيز على نفسي وقلبي، إلى أبطال ثورة شعب سورية الأبية البطولية على الاستبداد القمعي الغاشم..

تخرجون نهارا وتهتفون للكرامة والحرية.. تخرجون ليلا وتهتفون للنور بعد ظلامِ تسلّطِ العصابات الدموية على بلدكم.. تتحدّون الرصاص بصدوركم ونحوركم وتواجهون الغدرَ ممن يزعمون الانتماء إلى شعبكم.. فيسقط الشهداء.. ويسقط الجرحى.. وتعاودون الكرّة يوما بعد يوم، وليلة بعد ليلة، من أجل الكرامة والحرية ونور الفجر المشرق بعد ليل بهيم طويل..

من أيّ معدن من معادن الإباء أنتم.. وبأيّ قبس من نور العزة تحركتم وثرتم؟..

قد كنت في مثل أعماركم عندما حللت مع أسرتي في حيّ ركن الدين، حيّ الأكراد كما عرفه الشام وأهل الشام، في مطلع الستينات من القرن الميلادي الماضي.. أعيش في (الشارع التحتاني)، أتردّد على (مدرسة ابن العميد)، ألقي ببصري إلى قلب دمشق عبر بحر من الأشجار مستمتعا بمرآها آنذاك.. وقد علمت أنهم جرفوها لتنتشر أحجار الأبنية الجرداء مكانها..  وأصعد أحيانا بين أزقة المرتفع المشرف على الشارع الرئيسي، وكان أهل الحيّ يسمونه (الشارع الفوقاني).. ويقولون إن جلّ أهلنا من الأكراد يسكنون في تلك الأزقّة من الحيّ، حيّ الأكراد كما عرفناه، قبل أن يبدلوا اسمه إلى حيّ ركن الدين، وكأنهم يريدون أن يجردّوه من جنسيته كما صنعوا مع أهلنا من الأكراد في شمال سورية، وكان جلّ أهلنا هؤلاء في ذلك الحيّ من الإخوة الأكراد، الذين كانوا رفاقا لي في المدرسة، وكان بعضهم يتردّد وأتردّد معه على مسجد أبي النور على مقربة من الحيّ.. وكان منهم من أزوره ويزورني.. وما كنت أسأل ولا يسأل مَن منّا عربي ومن منّا كردي.. يكفينا أن الأخوّة تربط بيننا، وأنّ المحبّة تجمعنا، وأنّنا أهل حيّ واحد.. في الوطن الواحد.. وشعبُه -كما تهتفون اليوم- شعبٌ واحد واحد واحد..

٠  ٠  ٠

أذكر في آخر عام دراسي لي في مدرسة ابن العميد كيف بدأ جور الانقلابات المتتالية باسم البعث يصنع الجراح في الجسد الواحد، وكيف كنّا نلتقي في “اللجنة الثقافية” في المدرسة، ونحاول التعبير قدر استطاعتنا عن رفض أولئك الذين يصنعون الجراح، وليس في تلك اللجنة إلا تلميذ واحد كان يوالي الحزب الحاكم، ولا يدري ماذا يوالي، كان مسؤولا عن اتحاد الطلبة البعثي الذي اصطنعوه، ولا أنسى (العلقة) التي كانت من نصيبه، عندما زار المدرسة -أثناء شهر رمضان آنذاك- وفد من القيادات الحزبية لاتحاد الطلبة، وقرؤوا ما كتبه في (مجلة الحائط) تحيّة لأقرانه من تلاميذ المدرسة بمناسبة رمضان.. فأغضبهم ما كتب وأوسعوه شتيمة وضربا..

كان يكتب كما نكتب، إذ لم نجد صعوبة في أن ننصحه بتجنب الشعارات والمقولات الحزبية التي تستفزّ مشاعر الأكثرية الكاثرة من تلاميذ المدرسة، وقد ألهبها آنذاك ما صنعه الحكام المستبدّون عندما قصفوا جامع السلطان في حماة، واقتحموا المسجد الأموي في دمشق، وأعدموا -لأول مرة في تاريخ سورية- من حاول الانقلاب عسكريا على انقلابهم، ليبدأ عهد المجازر الاستبدادية منذ ذلك الحين، ويستمرّ إلى يومنا هذا.. 

إلى يومنا هذا.. وأنا أراكم عن بعد، وأتمنّى لو كنت بينكم ومعكم، أستعيد من خلال شبابكم وفتوتكم قوّة الشباب والفتوة التي عملوا على وأدها في شعب سورية.. وأخفقوا.. واستمروا إلى اليوم على محاولة وأد شعب سورية.. ووأد الكرامة والعزة والإباء في شعب سورية.. وأخفقوا، وأنتم أيّها الأحباب في ركن الدين، وأمثالكم في كل حي من أحياء المدن والبلدات السورية الشاهد الحيّ على إخفاقهم.. والقوّة التي زعزعت الأرض من تحت دباباتهم وشبيحتهم.. وها هم يترنّحون، ويألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون..

٠  ٠  ٠

يا إخوة الحيّ الواحد.. يا إخوة دمشق الغالية.. يا إخوة سورية.. يا إخوة الأرض التي جمعتنا ما بين المحيطات الثلاث، لن يمزّق الاستبداد القمعي الفاسد الهمجي بعد اليوم عرى الأخوّة بين الإخوة.. لقد تراجع جيلنا حيث لم يكن ينبغي له أن يتراجع أمام الطاغوت وإجرامه، وعشنا عشرات السنين على حلم جميل، جعلتموه أنتم -أيّها الثوار الأبرار الأحرار الأباة- جعله جيلكم أنتم حقيقة واقعة.

تحت أقدامكم.. سقط جبروت العصابة الباغية

وفي جراحكم.. ولد عهد التحرّر من جبروت الطاغوت

وأمام شهدائكم وضحاياكم.. أمام هاماتكم المرتفعة إلى العلياء.. أمام أهليكم والمحاضن التي صنعت جيلكم في حقبة الظلم والظلام، ننحني إجلالا وإكبارا.. وتنطلق العبرات من عيوننا محبّةً لكم، وحنينا لرؤيتكم، وشوقا لضمّكم، ورغبة في تلمّس جراحكم المنيرة، واستنشاق عبق دمائكم الطاهرة، والاستنارة من عزيمتكم المتوقدة.. وأنتم الذين صنعتم لنا موعداً مع الوطن العزيز المتحرر، والشعب الأبيّ الثائر.. أنتم الذين أراكم عن بعد وأنتظر على أحرّ من الجمر في مغتربي الذي أكرهت على البقاء فيه طويلا، لأعود إليكم، في حيّنا الحبيب، ركن الدين، في مدينتنا الحبيبة، دمشق، في بلدنا الحبيب سورية.. فإلى لقاء أصبح وشيكا، في يوم يرونه بعيدا ونراه قريبا.. فقد انطلق تكبيركم إلى العلياء من قمة التاريخ ليصنع المستقبل، ووصل دعاؤكم إلى الرب المعبود، في رمضان، وكان آخر رمضان عشته في ركن الدين في حيّ الأكراد.. قبل زهاء خمسة عقود.. سنلتقي أيها الأحباب.. سنلتقي، في رمضان هذا أو بعده، فدعوة الصائم لا تردّ، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ووعد الله حقّ {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ معذرتهم وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب