على فراش المرض (٣) هل نحن عاجزون؟

ذاكرة شخصية – بين العجز كذريعة وبين التقصير في العمل

على فراش المرض (٣) هل نحن عاجزون؟

خواطر – هل نحن عاجزون

كنتَ بالأمس تمشي وتعدو، وتتحرّك حيث شئت.. وها أنت ذا تعرج إن مشيت، وتتألّم إن جلست، ولا تقوى على التفكير من وطأة المرض.. أما آن لك أيها الإنسان أن تعلم أنك {لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبلُغَ الْجِبالَ طُولا}؟ – ٣٧ الإسراء..

كم ذا تردد ألسنتنا حتى حفظنا عن ظهر قلب وحفظ الناس عنا، أن الحياة الدنيا مطية للآخرة.. هل جعلناها كذلك حقا في مشاعرنا وأفكارنا وأعمالنا ومعاملاتنا؟..

عجبا لأمرك أيها الإنسان الفاني!..

أنت لا تملك إطالة بقية عمرك في هذه الحياة الفانية ثانية واحدة، وتعلم ذلك علم اليقين..

ولا تملك تأجيل موعد انتقالك إلى الحياة الباقية ثانية واحدة، وتعلم ذلك علم اليقين..

فما بالك تخدعك بوارق دنياك فتشغلك عن آخرتك، ويغريك سرابٌ عابر في حاضر أيام عمرك المعدودة، فتعمى عن رؤية أسباب سعادة الخلود الأبدي المديد في مستقبلك، وتقعد عن الأخذ بها؟..  

لا بد أن ينعكس في واقع وجودنا شعار الإسلام الذي تعلنه ألسنتنا وأقلامنا، حتى يراه سائر الناس متجسدا فينا، بشموله وتكامله وتوازنه، وسموّه ووسطيته واعتداله، وإلا فسنبقى بعيدين عن واقع الإنسان، وواقع البشرية واحتياجاتها..

إنما تجتمع الدنيا والآخرة للمؤمن على قدر التزامه بشرع الله، في مختلف جوانب حياته المعيشية، الخاصة والعامة.. 

كم ذا نقصّر في الحياة الدنيا.. علما ومعرفة، اختصاصا وتفوّقا، إنجازا وإبداعا، تخطيطا وتنظيما، عملا وإنتاجا، بناءً وعطاء.. ونزعم أننا مقصّرون في الحياة الدنيا لانشغالنا بالعمل للآخرة!..  

أي صفة تَدَيّنٍ زائفٍ تلك التي ينتحلها لنفسه، من يكتفي بأن يجعل الدين كلاما على اللسان، وطقوساً يؤدّيها الجسد.. وهو يهمل إقامة الدين في هذه الدنيا، عقيدة وعبادة وأخلاقا وسلوكا، وعلما وتطورا وتقنية وصناعة وزراعة وإنتاجا..

من يزعم العجز عن أداء الدور المطلوب منه، للنهوض بأعباء الإسلام والمسلمين، في عالمنا المعاصر، في مختلف الميادين، فليسأل.. عن مدى استيعابه لقوله تعالى.. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم} -٧ محمد- 

كم حجب التعلّق بالحياة شبحَ الموت وهو قريب منك، جدّ قريب، وكم حجب الإحساسُ بالشباب عنك الهرم، وهو كامن في أعضاء جسدك وتَلوح مطالعُه في صدغيك، وكم حجبت متعةُ الصحّة والعافية المرض، وهو يسري تحت جلدك وينخر في عظمك.. وكم من نعمة ضاعت على صاحبها، وهو غافل عن مجرد التفكير باحتمال ضياعها..

أحبائي.. يامن لا تزالون في مقتبل العمر!..

لم افهم قطّ المعنى العميقَ لهذا الحديث، كما فهمتُه هذه الأيام، عندما اجتمع ضيقُ الأوقات، مع قيودِ المرض، وأثقالِ خمسة وخمسين عاما، ومخاوفُ أن تضمحلّ القدرةُ على إنجاز بعض الواجبات.. فاقرؤوا هذا الحديث مرّةً بعد مرّة، واستوعبوا معناه حق الاستيعاب، واجعلوه منهجا في حياتكم، كما أراده لكم رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هرمِك، وصحتَك قبل سقمِك، وغناكَ قبل فقرِك، وفراغَك قبل شغلِك، وحياتَك قبل موتِك) كما ورد في صحيح الحاكم، عن ابن عباس رضي الله عنهما..

وأستودعكم الله، ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب