ذاكرة
أعتمد على الذاكرة في كتابة السطور التالية ومحتواها الموجز لمضمون حديث مباشر على انفراد مع أستاذي الجليل يوم ١٢ / ١ / ٢٠١٦م. ولم تعد الذاكرة لحفظ المستجدات، كما كانت قبل أن أناهز السبعين، أو مع الأحداث الأقدم زمنيا؛ إنما أسعى على الدوام لضبط ما أنقل عن عصام العطار بالذات، فهو حريص دوما على دقة العبارة ومدلولها، مما أغبطه عليه وقد ناهز التسعين من العمر. أما أوضاعه الصحية التي سأل كثير من الأحباب عنها فقد تحسنت نسبيا، وكانت تبعث على القلق في الأسابيع الماضية، إذ تكررت محاولة اللقاء به من جانبي ومن جانب بعض من أعرف ولم يكن قادرا على استقبال أحد، وهو الحريص إلى حد كبير على التواصل المباشر والتلاقي مع الجميع. أسأل الله أن يمده بالقوة والعافية.
٠ ٠ ٠
بسبب وضعه الصحي حرصت ألا يطول انفرادي به في هذا اللقاء أكثر من ساعة واحدة، كانت حافلة بالأسئلة والاعتراضات وأكاد أقول الاستفزازات لأستخلص القدر الأكبر مما لا يزال يعبر عن الرؤية العميقة الشاملة لمجرى الأحداث واستشراف أبعادها المستقبلية، وقد تشابكت وتعقدت، فتفرع الحديث وتشعب، وهو لا يستجيب لإلحاح أو استفزاز بقول أكثر مما يريد قوله كي يفكر كل فرد من السامعين ويتصرف وفق ما يراه في نهاية المطاف، وما يحمل مسؤوليته حسب إمكاناته الفعلية.
في المقدمة دار الحديث عن عموم بلادنا المستهدفة جميعا من مشرقها إلى مغربها، والتي تترصدها أخطار كبيرة دون وجود استعدادات كافية لمواجهتها.
منطقة الخليج مستهدفة جميعا وأكثر من سواها، والتركيز كبير على السعودية التي تواجه استنزافا كبيرا لمصادر قوتها، وقد أوشك التخلي الغربي عن دول الخليج يكتمل، وليست هي بمنأى عما يجري الحديث عنه من إعادة رسم خارطة المنطقة.
ولا يخفى ما واجهته وتواجهه بلدان أخرى مثل مصر والعراق وليبيا، وبلغ العمل للقضاء على وجود سورية وثورتها مبلغه، بينما يسجل شعب سورية منذ سنوات بطولات مذهلة وصمودا كبيرا رغم تلاقي جميع القوى المعادية ضده.
وأقاطع.. وأسأل عما أوصلنا إلى ذلك في بلادنا عموما، وأركز السؤال على قصور نخبنا وأخص بالذكر العلماء أو بعضهم، وأشير باستفزاز مقصود إلى بقاء عملهم في إطار تقليدي لم يعد يجدي للتعامل مع متطلبات الوقت الحاضر؛ ويكرر أستاذي على مسامعي ما كان يؤكد عليه دوما، ومغزاه أن نقبل من كل فرد أو فريق ما يستطيع تقديمه، وأن نقدر ما قدمه بالفعل في حدود إمكاناته الفعلية وليس ما نتمناه.
المشكلة في افتقاد التكامل بيننا، ومن هنا التأكيد مجددا على ما أسمعه من أستاذي الجليل من قبل انطلاق الثورات الشعبية العربية، أن التواصل المباشر هو المنطلق، وأضيف أثناء الحديث أنني طالما سمعت منه أيضا أن التلاقي يتحقق على القواسم المشتركة فيجب اعتمادها.
٠ ٠ ٠
هل من بصيص أمل؟ أليس ما نرصده على صعيد جيل جديد من الشبيبة مصدر أمل للمستقبل؟
نعم.. أمل للمستقبل البعيد، وبشروط.
«لا تزال فعالية عمل الشباب دون مستوى إخلاصه وتأثره بمجرى الأحداث، وما يظهره من استعداد للعمل، دون ترجمة ذلك إلى أعمال مجسدة وفاعلة».
وأعترض بأمثلة على بعض ما تعرفت عليه مباشرة من أعمال وأنشطة واعدة، ويجيب بسرد أمثلة في اتجاه آخر، فيتساءل عن غياب العمل الشبابي المؤثر الفعال في ألمانيا -حيث يقيم كلانا- ويقول، لو تحرك عشرات الألوف معا في الاحتجاج على بعض ما يجري في سورية مثل حصار التجويع والقصف الروسي لكان لذلك أثر كبير على الساحة.
وأعود إلى التفاؤل بذكر أمثلة من بعض اللقاءات التي شاركت فيها ورصدت كيف ارتفع وعي المشاركين، وهم من أصحاب التأثير في ساحات المواجهة الميدانية أو من يواكبهم في ساحات العمل الأخرى، ويشير إلى أننا متخلفون عن السرعة الزمنية لمجرى الأحداث ومتطلبات التعامل معها تخلفا كبيرا، وأقرّ له بأن هذا بالذات في مقدمة ما كنت أرصده في معظم ما حضرت من لقاءات منذ فترة لا بأس بها.
وأعود فأنوه إلى أن العقبات كبيرة وأستشهد بموجة اغتيالات لعدد من القادة الميدانيين في الثورة، وكان غالبها مرتبطا بوصول جهود بعضهم لتوحيد الصفوف مرحلة حاسمة، ويكرر أستاذي على مسامعي ما أعترف بأنني فهمته منه من قبل في مناسبات عديدة، أن مستوى حمل المسؤولية لهدف كبير مرتبط بأن يضع من يحمل المسؤولية في حساباته وعمله العقبات الكبيرة ويوجد أسباب النجاح وهو يتعامل معها ليتجاوزها.
ومعظم ذلك هو فيما أوجز الحديث عنه في سطور:
– يجب أن يكون المشهد الشامل لبلادنا وعالمنا وعصرنا حاضرا لدينا وإن تركز عمل أحدنا أو فريق منا على قضية بعينها..
– لكل طرف تخصصه وله الأولوية فيما يعمل، ويجب أن نتكامل جميعا، ولا يصح أن يطالب بعضنا بعضا بأكثر مما يستطيع، مع الدعوة إلى رفع مستوى أنفسنا باستمرار..
– لئن ارتفع مستوى وعي جيل الثورة والتغيير لا سيما من الشباب، فإن الوعي يحتاج إلى نقلة واسعة في مستوى العمل الفردي والجماعي على أرض الواقع..
– لا يصح انتظار القيادات أولا، فالقيادات الحقيقية تظهر من خلال العمل..
على أن في مقدمة ما أرى أهميته الكبرى في هذه المرحلة ووجدت في حديث أستاذي ما يؤكد صحته:
إننا أمام مهمة تغيير جذري يستغرق جيلا أو جيلين، ونحتاج لأداء هذه المهمة على أفضل وجه ممكن إلى التلاقي على رؤية مشتركة شاملة بعيدة المدى، تحدد المعالم الكبرى لطريق العمل والنهوض، ونسترشد بها فيما نحتاج إليه من تخطيط أو جهود، في قضية بعد قضية، وفي مرحلة بعد مرحلة.
وطالما واجهت مقابل ذلك السؤال: كيف نصل إلى ذلك؟
الجواب نظريا لا يفيد، بل نصل إليه عندما تقرر ثلة من المخلصين المؤثرين في الساحة (التواصل) بالتلاقي المباشر للتوافق الحاسم على الكيفية.. مع تأكيد مسبق أن القواسم المشتركة تجمعنا.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب