ذاكرة شخصية
قصة واقعية نسجت منها هذا الحوار، إذ حاولت أن أواري ما أشعر به من السرور، ومن الفخر أيضا، وأنا أخبر صديقا عزيزا عاد من السفر لتوه، أن ابني قد تزوج قبل أيام. ولم أخبره بعد بمن تزوج إذ التفت إليّ بكليته، واستوقفني ليصافحني بحرارة، متهلّل الوجه، ثمّ يعانقني بغبطة الأخ المخلص لأخيه، مباركا للزوجين:
– نعم.. نعم.. لقد آن الأوان فعلا، وكم كنت أنصحه أن يكمل نصف دينه بعد أن تخرّج من الجامعة واستلم عمله ولم يعد..
وقاطعته قبل أن يسترسل وقد اختلط الأمر عليه فقلت:
– لم أقصد من ظننت، إنما أخوه الأصغر هو الذي تزوّج!..
وأحسست بذراعيه يرتخيان، ثم أفلتني وحملق بي كأنه يريد أن يبعث بكل علامات الدهشة والتساؤل من عينيه إلى عينيّ، وقال:
– تعني.. التلميذ في المدرسة بعد؟..
أدركت أنّني فتحت باب جولة حوار أخرى معه، كما اعتدنا منذ نيف وعشرين عاما، فعاودت المسير، وهو يتابعني دون أن تفارقني نظرته المتسائلة.. ثم قلت وأنا أفصِل كل عبارة عن أختها بسكتة قصيرة:
– لقد أنهى المدرسة، وحصل على الثانوية بدرجة جيدة قبل أسابيع، واحتفلنا بزفافه قبل أيام!..
– ولكنه صغير السن، لا يستطيع..
وقاطعته مرة أخرى لاجئا إلى أسلوب الحوار الهجومي:
– صغير السن؟.. لقد ناهز العشرين من عمره، وعندما أتيت وأقمت في دار الغربة هنا، وحيدا، بعيدا عن أسرتي، كنت أصغر سنا منه!..
قال ورنّة الثقة بنفسه غالبة على كلامه:
– لكنك لم تتزوّج إلا في الرابعة والعشرين من عمرك، فعلام لم تدعه ينتظر قليلا..
– لو استطعت آنذاك لتزوجت قبل بلوغي العشرين، وما كانت الضغوط على الشباب، ذكورا وإناثا، كما أصبحت عليه الآن، ثم إنه هو صاحب القرار، وهو يقول ما بين التلميح والتصريح، إنه يريد أن يحصن نفسه، ألا تقول إن المسلم في هذا المجتمع مخيّر بين الانحراف والزواج؟..
وتململ وهو يحاول مقارعة الحجة بالحجة:
– نعم، لا أنكر ذلك، ولكن الزواج مسؤولية كبيرة..
– كأني بك تريدنا أن نشجع الشباب على الزواج ثم ننصب في وجوههم العراقيل، وإذا أرادوا الإقدام عليه نحذرهم ونهوّل من شأن المسؤولية التي سيحملونها، ألا يحملون مسؤولية كبيرة وخطيرة إذا بقوا دون زواج؟..
وتابع كأن لم يسمعني:
– كيف يعرف تلميذ مدرسة متطلبات الزواج وتبعاته!..
تظاهرت بالغضب معاودا أسلوب الهجوم وأنا أقول:
– لا تقل تلميذ مدرسة، هو شاب في مقتبل العمر، في مستهلّ فترة الإنتاج والعطاء في حياته، ثمّ إن فترة الشباب هي أجمل فترات الاسـتمتاع بالحياة الزوجية، وأنسب لتحقيق التلاؤم بين الزوجين وبناء الأسرة على المودة والرحمة من البداية، ونحن نريد أن يقضي أبناؤنا شبابهم، لسنوات عديدة، في النصب والتعب قبل الزواج، بحجّة جمع المال الضروري لتكوين أسرة.. لقد جعلنا من تبعات الزواج ومتطلباته حاجزا منيعا ومخيفا للشباب والفتيات بدلا من مساعدتهم وتسهيل هذه الخطوة عليهم.
ولم تنفع مناورتي معه فعاود الاعتراض قائلا:
– أنت أيضا لا ينبغي أن تهوّن الأمر، وإلا فأين ذهب شرط الباءة والقدرة على الزواج، أم تريد أن يعتمد الزوجان الشابان على أسرته وأسرتها بدلا من الوقوف على أقدامهما؟.. أما كنت تزعم أن محور التربية القويمة هو الاعتماد على النفس وليس على الأهل، وتستشهد على ذلك بالحوار القرآني بين إبراهيم وابنه عليهما السلام، وبالحديث النبوي للغلام رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل؟..
وسرني أن تعرض إلى ذلك بحديثه فقلت:
– هو ذاك، فلنعوّد أبناءنا وبناتنا وهم ناشئة على الاعتماد على أنفسهم بعد الله عزّ وجلّ، وإن كان ذلك لا يتعارض مع تقديم الدعم الأسروي عندما يتزوجون وفي كل وقت، وبعضنا يبلغ الشيب منه مبلغه، ولا يستغني بالضرورة عن دعم أهله وإخوانه، فليس في ذلك عيب، وأطمئنك.. فمنذ دار الحديث مع ابني قبل عام كامل حول زواج محتمل بعد المدرسة، أوضحت له أنه ينبغي أن يعتمد في هذا أيضا على نفسه، وقد فاجأني، رغم معرفتي به، بحجم ما بذل من جهد ليجمع بين العمل والدراسة، فاشتغل وجمع بعض المال ونجح في المدرسة في وقت واحد، ثم حصل مع الزواج على بعض الدعم بطبيعة الحال..
سكت لحظات كأنه يريد استيعاب ما أقول ثم دخل من باب آخر بقوله:
– لا شك أن دخله الشهري سيكون متواضعا جدا، فماذا عن زوجه، هل رضيت بذلك؟..
وأدركت أنني كسبت الجولة فتابعت الحديث بهدوء:
– أنت تعرفها وتعرف أهلها، وهي فتاة ناضجة رغم حداثة سنها، ولقد حرصت على الاطمئنان بنفسي إلى أنها هي أيضا راضية وراغبة، بل أعجبت بحرصها على أن تعتمد الأسرة الجديدة على نفسها وأن تعيش حياة عادية، لا إفراط فيها ولا تفريط، والأمر الأهمّ هو دوام التفاهم على أساس قويم.. حتى وإن لم ينجح الزواج في هذا العمر لسبب ما، فينبغي النظر في الأسباب لا أن نعتبر البقاء دون زواج في هذا العمر بالذات أمرا مقبولا أو مطلوبا..
– على كل حال، بارك الله تعالى بهما ولهما وجمع بينهما على خير، وآمل أن يتحقق ما تقول، فيكونا نموذجا حسنا للزواج المبكر.
قلت:
– كلا.. كلا.. أنا لا أقول ذلك.. أنت تقوله!..
وحملق بي مدهوشا وهو يقول :
– ماذا؟.. أتنكر كل ما ذكرته قبل لحظات؟..
وعاودني الإحساس بالسرور والفخر وأنا أقول كمن يحدّث نفسه:
– أنكر فقط قولك إن هذا زواج مبكر، لقد انتشر هذا التعبير على ألسنتنا وأقلامنا، ولا أعرف له أصلا قويما، وأشعر كأننا ونحن نطلق على الزواج في سن الشباب وصف الزواج المبكر، كلا يا صاحبي، الزواج الذي يتم بعد تجاوز مرحلة الشباب الأولى هو زواج متأخر، أما هذا فليس زواجا مبكرا ولا متأخرا، إنه الزواج الذي يتم في موعده، في أنسب موعد للزواج!..
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب