رأي – من معايير بناء الدولة

سورية – النقد والتشكيك بين الأخطاء وصناعة الذرائع

رأي – من معايير بناء الدولة

رأي

لم ينقطع أصحاب الأقلام عن طرح خلافاتهم حول تفاصيل ما يجري من أحداث، منذ ما بات يعرف بحدث تحرير سورية من الاستبداد، وقد جاء في ختام مسلسلات المقاومة والمعارضة والثورات المتعددة حتى اندلعت الثورة الشعبية في آذار / مارس ٢٠١١م ووصل مسارها إلى يوم التحرير. لم ينقطع طرح الخلافات ولهذا تزداد الحاجة إلى التذكير بأن الاختلاف مفيد عندما تكون ممارسته موضوعية، مع تجنب الاستغراق في التفاصيل، وتجنب تسليط الأضواء الساطعة على السلبيات وحدها أو على الإيجابيات وحدها.

يمكن تعليل السلوك غير المنضبط أحيانا بما صنعه تغييب ثقافة النقد بمختلف أشكاله لعشرات السنين الماضية، ولكن يصعب تبرير النقد السلبي عندما يصبح جدلا عقيما دون الحرص على استناد الرأي الذاتي إلى أدلة قطعية الدلالة، هذا مع أن المتحاورين هم غالبا من نخب قادرة في الأصل على التمييز بين الأحداث وخلفياتها واستشراف مآلاتها، بل ينتظر منهم بالذات الإسهام الفعال في الدعم الإيجابي لتصحيح أخطائهم الذاتية أيضا عندما تقع، ولا بد أن تقع، فالحدث ذو أبعاد بالغة التشعب والمعلقون والمحللون هم كصنّاع القرار بشر يخطئون ويصيبون.

ربما احتجنا للحد من الخلافات السلبية إلى التركيز على المصلحة الذاتية المشتركة، فهي الجامعة لأطياف أهل البلد الواحد ولمشارب النخب الناشطة، وإن اختلفت التصورات، وهي الضمان الأهم لسلامة صنع القرار في الميادين المتعددة، المحلية وعلى صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، وتبقى الأولوية لهذه المصلحة المشتركة الجامعة، لتكون محورا لتفعيل وسائل الدعم الشعبية وبالتالي تنمية أسباب القوة الذاتية، مقابل ما تتعرض له سورية من ضغوط مطامع خارجية بأشكال متعددة غالبها عدواني وإن حمل عنوان مصالح متبادلة.

وليست كلمة المصلحة مجرد شعار، بل هي تعبير مشهود عما يتحقق عبر رؤى ومناهج وعطاءات متكاملة، تبدأ بميدان القيم الجماعية ولا تنتهي عند تأمين لقمة الطعام اليومية الكريمة؛ ولهذا فالمصلحة تصنع المادة الحاسمة في البناء مثلما تحتل مرتبة متقدمة في تحقيق توازن العلاقات الثنائية والجماعية. هنا تبدو الحاجة الملحة إلى بيان مجالات تحقيق المصلحة أو تغييبها، ومن الوسائل لذلك الإعلام الرسمي في صيغة ناطق رسمي مثلا، ومنها ممارسة الإعلام المهني المستقل، القائم على تعدد الرؤى، والمعيار هو ما يتحقق لصالح الشعب عموما، فهو صاحب السيادة العليا على من يتصرف باسمه أو يتحدث، سواء في فترات انتقالية مؤقتة تنبثق عن صناعة تغيير جذري، أو في فترات الاستقرار، وهو ما لا يتحقق ويرسخ قبل التمكين لأجهزة دستورية عاملة، ضمن إطار تمثيل الشعب وإرادته وتشكيل مؤسسات الشفافية والمراقبة والمحاسبة المتكاملة بين السلطات الثلاث، وعلى رأسها جهاز مستقل لسلطة قضائية دستورية عليا.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب