تحليل
تحت سقف الوطن.. عبارة مغرية لفظيا، يشوّهها استخدامٌ رخيص لها من جانب الاستبداد المتسلّط على سورية، وأصبحت هذه العبارة تتردد كثيرا في خطب رسمية وإطلالات على الإعلام، وأصبحت بالتالي مادة للتندّر التهكمي المرير؛ فالوطن معتقل منذ عقود، ولهذا يتحول مدلول دعوة المعارضة خارج الحدود إلى التفاوض (تحت سقف الوطن) إلى دعوة للعودة الطوعية إلى (قضبان المعتقل).
وسبق لأشهر المعارضين داخل حدود الوطن، أن رحلوا اغتيالا أو حتى انتحارا وفق مزاعم المتسلطين على الوطن، والأمثلة على ذلك كثيرة، وتبدأ برفاق درب اغتصاب السلطة واحتكارها، وتحويلها إلى عصابات للاستبداد والفساد، فرديا وعائليا، ومن تلك الأمثلة مصير نور الدين الأتاسي، وسليم حاطوم، ومحمد عمران، وصلاح جديد، أو مصير عارف دليلة، ورياض الترك، ورياض سيف، وغسان النجار، وهيثم المالح، قبل خروجه من المعتقل الكبير أثناء الثورة، وأكثم نعيسة، وميشيل كيلو، ومشعل تمو، قبل اغتياله تحت سقف الوطن، وغيرِهم، وغيرهم كثير.
هذا ناهيك عن معارضة إخوانية، أصبح الانتساب إليها كافيا للحكم بالإعدام تحت سقف الوطن.
وناهيك عن معارضين غير مشهورين، لا يمكن إحصاء أسمائهم، وقد قضوا نحبهم على تراب الوطن، في مذابح غير معروفة وأخرى معروفة، كمذابح جسر الشغور وحلب وتدمر وحماة وصيدنايا وغيرها.
وناهيك أيضا عن معارضين مجهولين كانوا تحت سقف الوطن، ثم اختفوا فلا يعلم أحد ما حالهم وأين هم بالتحديد، فعشرات الألوف مفقودون، داخل حدود الوطن، ولعل معظمهم بات تحت تراب الوطن.
ثم يقال بعد اندلاع الثورة الشعبية، للسياسيين المعارضين، المنفيين والمشردين، أو حتى المقيمين طوعا خارج حدود الوطن: تعالوا للحوار مع السجانين تحت سقف المعتقل أو بين يدي المقصلة!
إن السجانين المتسلطين على الوطن، من متبوعين وأتباع وآمرين مسؤولين ومأمورين منفذين مسؤولين، لا يتحملون في تعاملهم مع هذه الثورة الشعبية البطولية الأبية، أن تكتب أنامل حمزة علي الخطيب كلماتٍ معارضة على جدران مدرسته، أو أن تهتف حنجرة محمد قاشوش بهتافاتٍ معارضة في مدينته، أو أن توزع بسمة غياث مطر الزهور المعارضة على الجنود في قريته، أو أن تخرج مروة عباس لتطالب في مظاهرة بالإفراج عن معارضين معتقلين دون اتهام رسمي أو اغير رسمي؛ فيواجه هؤلاء جميعا وسواهم، من يمارسون مهنة التقتيل ويتفننون في تلك الممارسة تعذيبا وتنكيلا وتمثيلا بالجثث وتشويها، ودوسا بالأقدام وضربا بكعوب البنادق.
ثم يقهقه المجرمون في خطبهم الرسمية وعلى الشاشات الفضائية ويقولون: علام لا يأتي المعارضون في الخارج إلى مائدة الحوار تحت سقف الوطن؟..
٠ ٠ ٠
لا يوجد في العالم بين أكثر التيارات الحداثية وما بعد الحداثية شذوذا يمكن أن يُدرج تحت سقفه هذا الصنف الاستبدادي المبتكر من التعامل مع عقول البشر وأحاسيسهم، كما يصنع أصحاب شعار تحت سقف الوطن، ولا غرابة أن يشيع في وصف الوضع في سورية بأنه وضع عصيّ على الفهم، بمختلف أساليب الفهم السياسي والفلسفي، تفكيكا وتركيبا، أفلاطونيا وأرسطوطاليا؛ إنما قد يزول اللبس عند رؤيته كما هو: إجرام مطلق، يرتدي مرتكبوه بزة رسمية في مناصبهم المغتصبة، أو يحملون ألقابا شتى في إطلالاتهم المتلفزة.
إنّ عبارة تحت سقف الوطن كما يفهمها الاستبداد ويمارس مدلولها في لاعقلانيته، هي التي حولت عبر صياغة المراسيم الشاذة خلال عدة عقود، نصوص الدستور إلى ورقة توت ممزقة، وحوّلت القانون إلى شبيحة همجية، ومجلس الشعب إلى مسرح عرائس، والجيش المفصول عن الشعب إلى حرّاس دمويين لمعتقل كبير؛ ثم يراد تصديق أن مراسيم أخرى تصدر الآن، سوف تحوّل ذلك الهيكل الإجرامي من عصابات مسلحة إلى دولة، فهل يمكن لعاقل تصديقها؟..
٠ ٠ ٠
لقد اندلعت هذه الثورة الشعبية البطولية الأبية لتهدم سقف المعتقل وتعتقل السجانين، وتحرّر الشعب المعتقل داخل الحدود وتحرر الشعب المنفي خارج الحدود.
اندلعت لتحرر الوطن من الاستبداد المتسلّط على الوطن، وتحرر الدولة من قبضة التسلط، وتحرر الجيش والشعب من موبقاته وأوزاره وجرائمه.
اندلعت لتحقق تطلعات جيل ولد في المعتقل، ونشأ فيه، ولم يبصر نور الحرية حتى الآن، وإذا به يعطي بثورته الدليل على الاستعداد للموت على تراب الوطن، وهو يطلب الحرية والكرامة والعدالة.
واندلعت أيضا لتعيد الملايين المحرومين من الوطن إليه، من المشردين والمهجرين بعد أن فقدوا أحبابهم فيه وهم مغتربون، وأمضوا شبابهم، ومنهم من قضى نحبه، وهم مغتربون، ولئن استطاع فريق منهم أن يمارس شكلا من أشكال المعارضة في مغتربه، فهؤلاء يعلمون أنّ تلبية دعوة تحت سقف الوطن تعني أن يمضوا طائعين مختارين، للانتحار في غياهب السجن أو في المقصلة؛ وليست هذه بطولة، ولا معارضة، ولا تنتظر الثورة منهم ذلك ولا تطالبهم به، بل تطالبهم أن يكونوا من وراء الثورة في أداء مهمة جليلة يحملون مسؤولية تاريخية عن أدائها.
من حقّ ثورة الأحرار على هؤلاء وهؤلاء، ألا يدعوا بعد اليوم سبيلا لبقاء السجانين فوق سقف الوطن ولا تحته، فلا حوار، ولا حلولا وسطية، ولا مراوغة ومساومة، ولا بديل عن تحرير الوطن، بسقفه ودعائمه وأرضه، بهوائه ومائه وترابه، بتاريخه وحاضره ومستقبله.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب