**ذاكرة **
هذه مناجاة نفسي لنفسي.. تردّدت بعيدا عن الأسماع والأبصار كثيرا، لا يعلم بها إلا رب العالمين، من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا السماء.. مع استشعار ذلك في الأعماق وجدت نفسي أتساءل، ما إذا كان يحقّ لي استبقاء هذه المناجاة بعيدا عن القلم والورق (هكذا يعبّر جيل القلم والورقة، في عصر العالم الافتراضي) مع أنها لا تتناول أمرا شخصيا فحسب، بل شأنا عاما..
هي مناجاة خواطر.. تتقلب في السطور التالية غير مرتبة ولا منمقة، ومعذرة إن وجد فيها بعض من يقرؤها من الجيل الذي أنتمي إليه ما لا يحبّ، فالأهمّ أو الأمل عند من يبوح بهذه الخواطر، هو أن تصل إلى جيل الثورة، أو جيل المستقبل، أو جيل الشبيبة.. تعدّدت المسميات، والقصد واحد:** الجيل الذي يستلم أمانة التغيير في هذه اللحظة التاريخية، كما وصفها حكيم الثورة من أرض تونس: قد هرمنا حتى نعيش هذه اللحظة التاريخية.**
ما يزال معظم من يشملهم (جيل هَرِمنا) يحسب نفسه هو القائد الفذ والمرشد الملهم لجيل الثورة والتغيير، والمقصود هنا هم المخلصون والعاملون الصادقون، من جيل تقدّمت به السن وقد عمل قدر استطاعته لتحقيق شيء لم يتحقق.. ثم فاجأته رؤية هذا الجيل، جيل الثورة والمستقبل، يتحرك ويبشر بتحقيق ما كنّا نصبو إليه، فأصبحنا نعايشه تحت عنوان اللحظة التاريخية. ألا نستشعر أننا نسمّي ثورات الربيع العربي لحظة تاريخية من وحي أننا أصبحنا جزءا من التاريخ، بينما يصنعها لنعايشها قبل رحيلنا أولئك الذين يعتبرونها لحظة مستقبلية، لحظة المخاض لولادة عصر لن يعايشه معظمنا؟
إنّ في عزيمة الشباب وفي رؤاهم طاقة، عرفناها أو عرفها أكثرنا، ولكن دون أن نصنع اللحظة التاريخية؛ وما زلنا، لا نستطيع أو لا نريد، أن ندرك أن من بدأ يصنع المستقبل هم قوم سوانا، من جيل نحبّه، وأخشى من خشيتنا عليه أن يصنع هو ما لا نريد نحن، فما نزال نرى أن ما نريد هو الصواب بعينه.. وقد هرمنا دون أن تصل جهودنا إلى أهدافنا، رغم من كان بيننا من أفذاذ عظام نجلّهم ونقدّر عطاءاتهم..
أعايش فيما أعايش ثورات يتواصل صانعوها في الميادين والساحات.. وربّما منع الإعياء بعضنا أن تحمله قدماه إلى الميادين والساحات.. ولكن.. نودّ لو نعيد الشباب والشابات ممّن نحبّ ونقدّر إلى القلم والروقة.. وإلى التنظيمات التقليدية والمكاتب وقاعات المؤتمرات؛ فهذا ما ألفناه وربما أتقنه بعضنا!
أعايش فيما أعايش ولادة لغة جديدة، بسيطة التعبير، عظيمة التأثير، من قبيل (الشعب يريد..) و(ارحل).. وغيرها ونتحدّث إلى مبتكري هذه اللغة بعبارات من قبل (ندين ونشجب ونطالب) مع مراعاة ألا يكون في ذلك ما يغلق أبواب المساومة، أو يغلق خطّ الرجعة، أو ما لا يتفق مع المنطق السياسي والديبلوماسي!
**كأنّنا نتحدّث في واد.. والثورة وجيل التغيير في واد آخر، يتقدمون، ونسعى محبة لهم وحرصا عليهم أن نعيدهم إلى المسار الذي اعتدنا نحن عليه، ويصعب علينا تصوّر وجود سواه، أو بعبارة أصحّ: لا نريد أن نصدّق أن مسارهم يوصل الأمة إلى حيث رغبنا ولكن عجزنا أن نوصلها إليه. **
٠ ٠ ٠
لا تزال في سمعي مقولة عابرة للآفاق الزمنية: ربّوا أولادكم لزمان غير زمانكم..
ولا زلت أردد مما علمني أستاذي الجليل ما قاله مرارا عن ضرورة أن يتجاوزنا الجيل الجديد في كلّ شيء..
ولكن أشهد على نفسي وغيري، أن معظمنا يعمل الآن في ظل معطيات جديدة، بلغة الماضي وأدوات الماضي وعقلية الماضي وظروف الماضي..
اسمحوا لي يا إخواني وأساتذتي المحترمين الأعزاء أن أقول ببساطة وصدق: نحن نمثل الماضي.. ولا يعيبنا ذلك، ولكن يمكن أن يعيبنا أن نطبق ما نستمدّه من ماضينا من معايير على ما يصنعه سوانا للمستقبل.. بمعاييره.
٠ ٠ ٠
يا أيها الشباب والفتيات..
يا أبطال ميادين التحرير والتغيير من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية وأخواتها..
امضوا إلى ما أنتم ماضون إليه.. وفق ما ترونه وأنتم ماضون لتحقيقه..
ارتكبوا ما قدّر لكم من أخطاء.. وسدّدوا الخطى من جديد..
وإن نظرتم إلى الماضي، ولا بدّ أن تنظروا إليه فذاك من فطرة البشر وسنن التاريخ؛ فخذوا من الماضي ما ثبت صلاحه لكل زمان ومكان، ثم ما ينسجم مع واقعكم ومستقبلكم.. ودعوا سواه وإن كان جميلا مقنعا وفق ما حققه عندما كان جزءا من واقع.. مضى.
يا مشاعل دروب المستقبل المشرق..
اصنعوا ثوراتكم.. واعلموا أنها من غير جنس أي ثورة سابقة أو تغيير سابق صنعه أسلافكم..
اصنعوا ثوراتكم ببطولاتكم وتضحياتكم.. واعلموا أن طريق التغيير طريق طويل بدأ بثوراتكم..
شيّدوا بناءكم.. ولن يثبت إلا على دعائم جديدة من معطيات عصركم ولم يتصورها إلا قلائل ممّن عاشوا قبلكم..
يا جيل المستقبل إن قيّدتم أنفسكم بقيود من الماضي، فلتكن مما يناسبكم ويناسب عصركم أنتم وظروفكم أنتم وإمكاناتكم أنتم.. وأنتم تعلمون أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا عصمة لبشر إلا من عصمه رب البشر، ولكن اذكروا -أيها الأحبة- من كان قبلكم بخير، وادعوا الله تعالى أن يجزيهم خيرا على ما صنعوه وفتحوا به طريقكم، وأن يعفوَ عن زللهم وقصورهم.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب