الفرد والأسرة في حياة عصام العطار

غازي عنتاب – عن بعد – ١٧ / ٥ / ٢٠٢٤م

الفرد والأسرة في حياة عصام العطار

لمحات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والسلام علكم ورحمة الله، أما بعد

فأشكر للأخت أمية الحاج عساف رئيسة مكتب المرأة في الحزب الوطني للعدالة والدستور – وعد دعوتها الكريمة لهذا اللقاء بكم عن بعد في وقفة قصيرة عند بعض ما خلفه أستاذي الراحل عصام العطار، وسأختصر ما استطعت فالأصل أن يكون لقاء حوار مشترك وليس لقاء حديث من طرف واحد.

لقد اعتدنا للأسف أن نخصص الحديث عمّن نحب ونقدّر بعد رحيله عن الحياة الدنيا، بل قد نبالغ في تعداد مناقبه آنذاك، بينما نحتاج حاجة كبيرة لأن نعرف الفضل لأهل الفضل في حياتهم، وهذا مما كان عليه سلوك أبي أيمن، عصام العطار، وأذكر له الكثير من المواقف بهذا الصدد، ومثال ذلك ما كتبه عن الأستاذ محمد حميد الله قبل وفاته سنة ٢٠٠٢م. وأذكر له كيف كان يذكرنا بعلمائنا ودعاتنا، وقد دعا كثيرا منهم للحضور في مؤتمرات سنوية أو في مناسبات معينة ليتعرف الشباب والشابات من المسلمين في الغرب عليهم في لقاءات مباشرة، إضافة إلى معرفتهم من خلال كتبهم ودراساتهم، كما كان مع أمين المصري وناصر الدين الألباني ومحمد لطفي الصباغ ومالك بن نبي وغيرهم من كبار العلماء والدعاة.

إنما لم يكن الاهتمام بكبار القوم فحسب، بل كان يشمل الجميع، فكان يسارع إلى السؤال عن أوضاع من يعرفهم فردا فردا وأسرة أسرة، لا سيما عندما يصيب بعضنا مكروه أو يغيب عن أنشطة مشتركة على غير انتظار.

لقد كان من أهم مناقب عصام العطار وزوجه بنان الطنطاوي أنهما كانا يكملان بعضهما بعضا، كما ينبغي على كل زوجين، على حد تعبير الأخت الفاضلة أمية في لقاء تلفازي قبل فترة، وأنهما ساهما معا إسهام القدوة والأسوة، في تكوين الأسرة الواحدة، وفي علاقات الأسر مع بعضها بعضا، بحيث تتجاوز علاقاتنا مع بعضنا ما نعرفه من علاقات تقليدية تقوم عادة بين المشاركين في لقاءات دعوية أو حركية، ولا يستهان بذلك عندما نعايش ما يجري في المجتمعات الغربية نتيجة تقويض الرابطة الأسروية.

إن العلاقة بين الأفراد وبن الأسر في المجتمع تكون سوية بقدر ما تكون إنسانية في عطاءاتها وأخوية في صميمها، ولقد عرفنا أسرة عصام وبنان وولديهما هادية وأيمن على هذا النحو، كما عرفنا أم أيمن منذ السنوات الأولى التي جمعتنا في المغترب، كيف كانت أما وأختا كبيرة لكل أخت تلقاها، لا سيما إذا كانت حديثة العيش في المغترب، فترعاها وتواصلَها كأنها الوحيدة من حولها، وتجد منها الروح الأخوية مع الإرشاد والعون في كل ميدان.

إن ما نعرفه نظريا من ميزات الإسلام فيما قرره للروابط بين الفرد والفرد في أسرة واحدة، وبين أولي القربي، وبين الفرد والمجتمع، كنا نشهد كيف تجد التطبيق والتوجيه من جانب عصام العطار وزوجه، فتتحول من كلمات نظرية إلى خلايا نابضة بالحياة في المجتمع.

هذا في أمور نعتبرها من الأمور البسيطة حتى أنني كنت ومازلت أقلده في طريقة مداعبته للأطفال، وكنت ولا زلت أتساءل كيف كان يضبط اتصالاته بحيث لا تمضي فترة طويلة دون اتصال من جانبه للاطمئنان على فلان أو فلان، وكأن لدية مفكرة أو قائمة مكتوبة تذكره فلا يفوته الاتصال والسؤال عن أحوال إخوانه. بل كنت أستحيي منه كمثال أنه لا يحل شهر رمضان أو عيد من الأعياد إلا كان السباق إلى السلام والمباركة، حتى أنني حاولت أحيانا أن أسبقه إلى ذلك بالاتصال به قبل يوم أو يومين من حلول المناسبة.

الواقع أنه كان يتجاوز ذلك في رؤياه وفي ممارساته العملية بعلاقاته مع الآخرين عموما، وأشهد أنني لم أسمع منه خلال خمسين عاما باستثناء مرتين فقط ولضرورة قصوى، كلمة سوء بحق إنسان آخر بما في ذلك من كان كثير منا يعتبرهم خصوما لعصام العطار لسبب من الأسباب.

إن الطابع الإنساني في علاقته مع الآخرين مبدأ ثابت لديه في رؤياه عن التواصل والتعارف سبيلا للتعاون حيث يمكن التعاون، وكان هذا جزءا من نهجه الدعوي والحركي بل ينعكس أيضا في تفاعله مع أحداث سياسية وفي موقفه منها، وإذا سمح الوقت يمكن أن أطرح بعض الأمثلة عن ذلك أثناء فترة الحوار بالتعقيبات والأسئلة إن شاء الله.

في العلاقة مع الآخر يمكن أن نتجاوز شؤون الدعوة وما ينبني عليها إلى المنظور المبدئي الإنساني كما يقرره القرآن الكريم حيثما تحدث عن الحقوق والعدالة والحريات والكرامة فيعمد إلى الخطاب بصيغة ابن آدم وأيها الناس ويا أيها الإنسان وما شابه ذلك، ولقد رأينا الصياغة العملية لذلك في تعامل عصام العطار مع الآخر بعد اندلاع الثورة الشعبية في سورية، حتى أصبح منزله يستقبل باستمرار ما نعتبرهم الطرف الآخر وهم يأتون للمشورة وطلب الرأي وحتى التوجيه أحيانا، وقد شهدت بعض تلك اللقاءات وعلمت بانعقاد بعضها الآخر، مع برهان غليون وميشيل كيلو وجورج صبرة ورياض الترك وغيرهم. وذكرني ذلك بانفتاح عصام العطار على الخصوم أيضا في الفترة القصيرة التي شهدت بعض الحريات في سورية ما بين الانقلابات العسكرية فيما عرف بفترة الانفصال، التي أنهت وحدة مصر وسورية.

فالرؤى التعددية والتلاقي على قواسم مشتركة مع الآخر كانت جزءا مبدئيا في المنهج النظري والنهج التطبيقي طوال حياته رحمه الله.

والسلام عليكم ورحمة الله.