التعامل مع ثوابت السياسة الأمريكية

رأي – مخاطر غلبة التوهم على رؤية الواقع الفعلي للسياسة الأمريكية

التعامل مع ثوابت السياسة الأمريكية

رأي

بغض النظر عن تقلب مناهج مؤسسات الحكم عبر انتخابات دورية، بقي مفعول الثوابت السياسية هو الأهم في تركيبة النظام الأمريكي وإستراتيجياته دوليا، وهي ثوابت نشأت مع النشأة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، ولم تتغير مع تعدد أشكال تطبيقها عبر الحرب الأهلية، ثم بسط السيطرة بالقوة على الأمريكتين الوسطى والجنوبية، ثم انتشار الهيمنة الأمريكية عالميا عبر الحربين العالميتين وتقلب تشكيلات ما يوصف بالنظام الدولي.

ويتبين ما تعنيه هذه الثوابت عند النظر في حقبة الحرب العالمية الأولى إلى ما قيل عن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون وأنه سيدافع عن حقوق الإنسان عالميا، وهو بالذات القائل بلغة الاستعلاء على الآخر، إن الانتشار الأمريكي واجب عالميا من أجل إنقاذ الأعراق البشرية الأخرى التي ما تزال في عمر الطفولة.

ويؤخذ المقصود من آلبيرت بيفردج وقوله من قلب مجلس الشيوخ الأمريكي يجب امتلاك التجارة العالمية وسنمتلكها، وهذا ما يحقق المصلحة للآخرين، فحضارتنا الأمريكية يجب أن تضرب جذورها في كل مكان لا يزال الناس فيه يعيشون في ظلام دامس.

ولم يتغير جوهر الأهداف الثابتة، كصناعة نظام عالمي أمريكي جديد، أو ما يوصف بالزعامة الأمريكية الانفرادية عالميا.

٠  ٠  ٠

صحيح أن السياسة الواقعية تقتضي التعامل مع القوى الدولية والإقليمية وإن كانت سياساتها مرفوضة أو عدوانية، ولكن من أخطر المنزلقات المؤدية إلى التبعية والخسارة منزلق غلبة تصورات ذاتية وهمية على التقويم الموضوعي لتلك السياسات. ومن يتوقع في نهاية عام ٢٠٢٥م سياسة مصلحية متبادلة أو سياسة ودية حقيقية مع واشنطون، تشمل ضغوطا أمريكية من أجل السلام في المنطقة وإنهاء محور الهيمنة القائمة عبر الربيب الإسرائيلي، فلينظر إلى تعامل واشنطون على أرض الواقع مع الانتهاكات الإسرائيلية الكبيرة لوقف القتال في كل من لبنان وغزة، بينما تتوالى التصريحات الرسمية أن اتفاق وقف القتال ما زال ساري المفعول، بل مع مزاعم عدم الالتزام به من جانب الطرف المستهدف بالقتال في لبنان وفلسطين.  

وهذا ما ينبغي أن تنطلق منه رؤية ما يتعلق بسورية، فكما انتشرت حوارات النخب السياسية والفكرية في مواكبة حالات سابقة، انتشرت أيضا في مواكبة الانتقال من واقع الثورة إلى واقع الدولة في سورية. وهنا يرجى أن يبقى النهج السياسي موضوعيا ومتوازنا، فلا يغفل صناع القرار عن حقيقة السياسات الأمريكية باسم السلطتين التنفيذية والتشريعية ولا عن وجوب الحذر الكبير تجاه الوعود والتصريحات البراقة دون مضمون حقيقي.

ولا يضير أن تواكب ذلك مواقف وفعاليات ناقدة من جانب النخب السياسية والفكرية، مع مراعاة توازنها ذاتيا وكذلك مراعاة توازنات صنّاع القرار السوري داخليا، ودوليا من بكين إلى موسكو إلى بروكسل ولندن وحتى واشنطون ناهيك عن ميادين التوازن الإقليمي من أنقرة إلى الرياض ومن القاهرة إلى أبو ظبي.

٠  ٠  ٠

منذ أكثر من قرنين من الزمن بقيت الهيمنة في جوهر السياسة الأمريكية، ولكن المجتمع الأمريكي الداخلي بدأ يتغير، وبدأت عورات الهيمنة تنكشف كما بدأت معارضتها بالظهور والتأثير على المسارات المعتمدة رسميا، وهذه تفاعلات ستؤثر على الثوابت السياسية تدريجيا، إنما لا ينبغي توهم أن التغيير أصبح واقعا قائما ففي ذلك مخاطرة كبيرة لا تغني عن إعداد ما يكفي من أسباب القوة، الذاتية وكذلك قوة التعاون والتكامل الإقليمي ليكون لذلك مفعوله في التعامل مع الواقع الدولي الراهن.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب