**مقالة **
أبدأ هذه السطور بمضمون حوار دار مع أحد الزملاء حول الكتابة الإعلامية المباشرة بمعارضة افتتاح مكتب للتواصل الإسرائيلي – القطري في الدوحة، فقد اعتبر الزميل ذلك قضية حساسة في السياسة الرسمية القطرية، ومن يكتب بمعارضته لها لجريدة قطرية كما أفعل، فقد لا تنشر له شيئا بعد اليوم.
قلت له: يبدو كأنّك لا تعرف قطر، ولا تعرفني أيضا؛ أما قطر فلم تظهر معالم حرية الإعلام فيها مع فضائية الجزيرة كما يقال حاليا، بل للإعلام فيها مسارات تاريخية إيجابية، من عناوينها الأولى مجلة «الدوحة» الثقافية الراقية ومجلة «الأمة» الإسلامية الجامعة؛ أما عن نفسي فما أمسكت القلم إلا تذكرت قصة ذكرها أستاذي الجليل عصام العطار، وملخصها أن كاتبا ناقدا ناشئا التقى بالحاكم في بلده، فقال الحاكم مُرحبا به وباشّـاً في وجهه، إنه يقرأ كلّ ما يكتب، مشدّدا على كلمة «كلّ». وعاد الكاتب الشاب إلى داره، فتردّدت العبارات على رأس قلمه، وغلب عليه التفكير بأن الحاكم سيقرأ ما يكتب، ووجد نفسه يبدل العبارات ويغير صياغتها، فغضب من نفسه وكسر قلمه بيديه، عازما على هجر الكتابة حتى يتحرّر من وساوس الخوف في نفسه، فذاك هو الرقيب الأخطر على المرء من أي رقيب آخر على الكلمة الحرة.
قال زميلي: دع عنك هذه التصورات وكن واقعيا، فبلادنا –أو بعضها- حديثة عهد ببعض الحرية الإعلامية، ولها خطوط حمراء لا ينبغي تعديها.
قلت له: أحسب أننا لا نحتاج مع الخطوط الحمراء –كما تسميها- إلا إلى ضوابط ذاتية لممارسة الحرية الإعلامية، نستمدها من القيم والأخلاق، صدقا ووعيا ومعرفة وأسلوبا، وذاك مما يفرض تجنب الافتراء والتجريح وفظاظة التعبير، وكذلك تجنب ألوان الممالأة والتملق والمحاباة وما يشابه ذلك.
ولعل مواجهة الإعلام الحر المستقل لأنظمة منحرفة أو فاسدة، لا تلغي الهدف من المطالب الشعبية والإعلامية من زاوية دعم الحكومات للتخلص من الانحراف والفساد، والالتحام معها عند مواجهة الأخطار الخارجية المتفاقمة.
أما قطر فيمكن استخلاص موقف إزاء قرارها عبر التأمل في محورين، أحدهما نشر الوعي السياسي إعلاميا في ميادين عديدة، في مقدمة وسائلها حاليا تأسيس شبكة إعلامية مهنية وفعالة كالجزيرة، وهذا مما يفتح آفاقا جديدة على امتداد المنطقة، ويحدث تحوّلا في الممارسات وفي السياسات الإعلامية، جغرافيا ومضمونا.
أما المحور الثاني فيرتبط بقضية فلسطين، ومنذ فترة يجتهد صناع القرار في الدوحة بأن بقاء قنوات اتصال مفتوحة مع العدو الإسرائيلي يستهدف تحقيق خطوات تخفف أعباء المعاناة، ولكن إذا كانت قنوات الاتصال على امتداد السنوات الماضية، لم تخفف من التعنت الإسرائيلي سياسيا ولا من سلوكه الهمجي الدموي ميدانيا؛ فبأي منطق عقلاني يمكن تبرير الإصرار على بقاء تلك القنوات دون أفق زمني؟
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب