قصيدة
هذه أبيات من قصيدة «رحيل» اختيرت وما أصعب الاختيار، من النص الكامل كما ورد في الطبعة الثانية لنشر القصيدة عام ١٩٨٥م من جانب الدار الإسلامية للإعلام في بون، (الكتيب كاملا للتحميل بصيغة pdf من موقع الدار الإسلامية للإعلام). وبدأ الكتيب بالإهداء التالي بقلم عصام العطار رحمه الله.
٠ ٠ ٠
أهدي هذه الأبيات
**إلى كلّ الذين اضطروني على توالي السنين ****إلى الرحيل عن كلّ أرض عربية أقمت فيها ****أو زرتها؛ لأنّي لم أتنازل عن حريتي وكرامتي **وطريقي الإسلاميّ المستقل المتميّز..
عصام العطار
٠ ٠ ٠
رَحَلْتُ عَنْكُمْ عَليلاً ناءَ بي سَقَمي
وما تَنَازَلْتُ عَن نَهْجي وعَنْ شَمَمِي
أُتَابِعُ الدَّرْبَ لا شَكْوى ولا خَوَرٌ
ولَوْ نَزَفْتُ على دَرْبِ الإِباءِ دَمي
**لا أَخْفِضُ الرّأْسَ ذُلاًّ أوْ مُصَانَعَةً
**
هَيْهاتَ هَيْهاتَ تَأْبَى ذاكَ لي شِيَمي
وكيفَ أَخْفِضُ هامي -وَيْحَكُمْ- ضَرَعاً
**وقَدْ وَضَعْتُ على هامِ الدُّنَا قَدَمي
**
وآثَرَ القَلْبُ وِرْدَ المَوتِ في كَرَمٍ
على حَياةٍ بِلا صِدْقٍ ولا كَرَمِ
اللهُ حَسْبي إذا ما عَقَّني بَلَدٌ
**وضاقَتِ الأرضُ عن شَخْصي وعن قِيَمي
**
فما أُؤَمِّلُ غيرَ اللهِ مِنْ أَحَدٍ
إنْ عزَّ أمرٌ ولا أَعْنو لِذِي نَسَمِ
الحزن في حبّه سهل لسالكه
وأصعب الصعب في عينيّ أهونه
**وأبعد البعد في العينين كالأمم **
…
لا بدّ لليل أن ينزاح غيهبه
ويشرق الفجر بعد الظُلْمِ والظلَمِ
…
**رَحَلْتُ فانْتَفِشُوا عُجْباً بِسْلْطَتِكُمْ
**
ولا تَعُوجُوا على دِينٍ ولا ذِمَمِ
**أَمْشي إلى الغُرْبَةِ الحَمْراءِ مِن دَمِنا
**
مَشْيَ الشَّهادَةِ فَوْقَ الخَوْفِ والأَلَمِ
**– – – **
**«بنانُ» يا جبهة الإسلام داميةً **
ما زال جرحك في قلبي نزيف دم
**«بنآن» يا صورة الإخلاص رائعةً **
ويا مثال الفِدى والنبل والكرم
«بنان» يا مقلة للبرّ ساهرة
**لأبؤس الناس قد ناموا ولم تَنَمِ **
«بنان» يا منتهى الإيثار ما شهد الـ..
**..إيثار مثلك في خفض ولا عُدُمِ **
تبكين من رحمة بالخق خالصصة
وما بكيت من الأهوال والوصم
«بنان» يا أُنْسَ أَيّامي التي انْصَرَمَتْ
**ولَيْسَ يومُكِ في قلبي بِمُنْصَرِمِ
**
ويا رفيقَةَ دَرْبي والدُّنا ظُلَمٌ
نَشُقُّ دَرْبَ الهُدَى في حالِكِ الظُّلَمِ
ويا ثَباتَ فُؤادي في زَلازِلِهِ
**وبَلْسَمَ الجُرْحِ في نَفْسٍ وفي أَدَمِ **
**ويا وِقَائي إذا ما كُنْتُ في خَطَرٍ
**
ويا يَميني ويا سَيْفي ويا قَلَمي
**يا واحة الأمن في ظلّ الوفاء ويا **
نبع الحنان وبرد السلسل الشبِم
يا بهجة الحب يا نعماه في كبدي
وزهره الحلوَ في كوخ وفي أُطُم
ويا جناحي إذا حلّقت منطلقا
يسمو
فَارَقْتِ في صُحْبَتي الأيَّامَ وادِعَةً
وآمِنَ العَيْش في رِفْهٍ وفي رَحِمِ
عِشْنا شَريدَيْنِ عَنْ أَهْلٍ وعن وطَنٍ
مَلاحِماً من صِراعِ النُّورِ والقَتَمِ
الشَّرْقُ والغَرْبُ إلْبٌ في خُصُومَتِنا
**أَنَّى اتَّجَهْنَا وَرَأْيٌ غَيْرُ مُنْقَسِمِ **
وأَعْبُدُ الشَّرْقِ مِنْ أَبْناءِ جِلْدَتِنا
**كأعْبُدِ الغَرْبِ في الكُفْرانِ والظُّلُمِ **
نَلْقَى النَّوازِلَ تَنْهَدُّ الجبالُ لَها
شُمَّ الأُنوفِ بِعَزْمٍ غيرِ مُنْهَدِمِ
**وقَصْدُنا اللهُ لمْ نُشْرِكْ بهِ أَحَداً
**
ونَهْجُنا الحقُّ لَمْ نَرْتَبْ ولَمْ نَرِمِ
ألوان حرب تقلّبنا بجامحها
**ما بين مستعلن منها ومنكتم **
**الكيد يرصدنا في كل منعطف **
والموت يرقبنا في كل مقتحم
**والجرح في الصدر من أعدائنا نَفَذٌ **
والجرح في الظهر من صدقاننا القدم
**حتي سقطتِ على درب الجهاد، وقد **
**عزّ النصير، بلا شكوى ولا ندم **
**صريعة برصاص الغدر، خالدة **
في مسمع الدهر، ترتيلا بكل فم
**وبتُّ وحدي على الدرب العتيد، وقد **
**غاب الرفيق، بجرح غير ملتئم **
**تبّ الجناة لقد أصموا بخسّتهم **
**قلب المروءة والأخلاق والذمم **
**… **
«بنانُ» كَمْ حُرَّةٍ كالشَّمْسِ طاهِرَةٍ
لها تُقاكِ وما أَوْرَثْتِ من شِيَمِ
وكَمْ فَتىً كانْبِلاجِ الحَقِّ مَفْرِقُه
**يُرْبي على النَّجْمِ في هَدْيٍ وفي شَمَمِ **
وكَمْ شُيُوخٍ وأطْفالٍ كأَنَّهُمُ
طُهْرُ المَلائِكِ والأَزْهارُ في الأَكَمِ
أَرْدَاهُمُ البَغْيُ فالإسلامُ في حَزَنٍ
**يَبْكي عليهمْ بمُنْهَلٍّ ومُنْسَجِمِ **
**حُكْمُ البُغَاةِ، فَلا دِينٌ ولا خُلُقٌ
**
**وَلا بَقِيَّةُ إحْساسٍ ولا فَهَمِ ما **
**قاربتهم وحوش الغاب ضارية **
**في نشوة الفتك أو في خسّة الجرم **
**أفحشتُ في الظلم إذ قارنتها بهم **
**أستغفر الوحش في غاب وفي أجم **
**دم يسيل وأعراض مخضّبة **
**وصرخة اليأس في سهل وفي علم **
**والدين في قبضة الطاغوت مرتهن **
**والفكر في القيد والأحرار في الرَّجم **
**والسجن بحر من الأهوال قد هلكت **
**فيه النفوس وأمواج من الألم **
**جهنم، وعذاب غير محتشم، **
**لكل حرّ كريم النفس محتشِمِ **
**أنّى اتّجهت ففي سمعي مواجعهم **
في باسم الفجر أو في غابس الغسم
**نداؤهم في فؤادي غير منقطع **
**وجرحهم في ضلوعي غير ملتئم **
**عزّ الرقادفلا نوم ألوذ به **
**كأنّ جنبي إذا أغفو على خُذُم **
**فَمَنْ يُغيثُ؟ أَلاَ دِينٌ؟ أَلاَ خُلُقٌ؟ **
منذا يكون لمظلوم ومهتضم؟
أَيْنَ الوَشَائِجُ مِن دينٍ ومِن نَسَبٍ؟
أينَ الشَّهامَةُ في عُرْبٍ وفي عَجَمِ
الحَقُّ يُهْتِفُ والإنْسانُ في هَلَعٍ
والدَّمْعُ يَنْزِفُ والأَكْبادُ في ضَرَمِ
فَظَائِعٌ ما رَأى التّاريخُ مُشْبِهَهَا
في عَالَمِ الغابِ أو في غَابِرِ الأُمَمِ
**والحاكِمونَ بِأَرْضِ العُرْبِ سَمْعُهُمُ
**
**عنْ مِحْنَةِ الحَقِّ والإنسانِ في صَمَمِ **
**عميٌ عن الواجب المهدور بينهمُ **
**وعن صغائرهم ما منهمُ بِعَمِ **
**يا للمروءات ماتت في أضالعهم **
**فليس يبعثهاشيء من العدم **
**كأنهم من موات الحسّ ويحهمُ **
**ضرب من الصخر أو ضرب من الرمم **
**نصب طراطير أقزام وإن لبسوا **
**أثواب هارونٍ ومعتصم **
**ترى بهم كل ما نشكوه من صنم **
«ولا نشاهد فيهم عفّة الصنم»
– – –
رَحَلْتُ واللهُ في التَّرْحالِ يَصْحَبُني
واللهُ في غُرْبَتي أُنْسي ومُعْتَصَمي
رِسَالَةُ اللهِ ما خُنَّا أمانَتَها
ولمْ نَبِعْها لِطاغوتٍ ومُحْتَكِمِ
والمسلمونَ وفي قلْبي مَواجِعُهُمْ
آمالُهُمْ شُعْلَةٌ في خاطِري ودَمي
ومِحْنَةُ الحَقِّ والإِنْسانِ أَحْمِلُها
**أَنَّى تَوَجَّهْتُ فَوْقَ القَهْرِ والتُّخُم **
**صَدْراً رَؤوماً وآلاماً مُبَرِّحَةً
**
وثَوْرَةً ما خَبَتْ في الفِكْرِ والقَلَمِ
**أحيا رؤى الحق، أهفو في مسالكها **
**وصوتها في ضميري رجعهُ وفمي **
**يفيض من أمل قلبي ومن ثقة **
لا أعرف اليأس والإحباط في غمم
**اليأس في ديننا كفر ومنقصة **
**لا ينبتُ اليأسَ قلب المؤمن الفهم **
**طلائع الحق قد لاحت مواكبها **
**نُعمى لمهتضم بؤسى لمجترم **
نَمْشي إلى الغَايَةِ الكُبْرى على ثِقَةٍ
**طلائعٌ رسم الرحمن غايتها **
ودربها الحرّ، والطاغوت في رغم
**إن مال من رهب قومٌ ومن رغب **
عن مهيع الحقّ والإسلام تستقم
** هيهات يشغلها إرجاف مضطغن **
**ظلما، ويوهنها تخذيل منهزم **
نمشي إلى الغاية الكبرى على ثقة
عَزْمٌ حَدِيدٌ ونَهْجٌ غَيْرُ مُنْبَهِمِ
وأَنْفُسٌ قدْ شَرَاها اللهُ صادِقَةٌ
أَقْوَى منَ المَوْتِ والتَّشْريدِ والأَلَمِ
**ما طَأْطَأتْ قَطُّ للطّاغوتِ صاغِرَةً **
**خَوْفاً وعَجْزاً وما أَلْقَتْ يَدَ السَّلَمِ **
لنْ يَغْلِبَ الحَقَّ طَاغوتٌ فلا تَهِنُوا
**ولو تَسَلَّحَ بالأفْلاكِ والرُّجُمِ **
اللهُ أكبرُ والأَقْدارُ ماضِيَةٌ
أينَ الطَّواغِيتُ مِنْ عادٍ ومنُ إِرَمِ؟
سَنَصْدَعُ الليلَ مَهْمَا اشْتَدَّ غَيْهَبُهُ
ونَحْمِلُ الفَجْرَ لِلإنسانِ والأُمَمِ
**فَجْرٌ منَ العَدْلِ والإسلامِ مُؤْتَلِقٌ
**
نُهدي سَنَاهُ لأَهْلِ الأرضِ كُلِّهِمِ
عصام العطار