خواطر – لغتنا
يزعم بعضهم أنّ المصطلحات العلمية العربية ثقيلة على اللسان، ولهذا ينبغي استخدام المصطلحات الأجنبية! فلنقارن مثلا بين قولنا بالعربية: التصوير المقطعي المحوري، وقولنا بالألمانية: Kernspintomographie، أو ما يماثلها بالإنجليزية أو الفرنسية.. فإذا كانت التسمية العربية هي الأثقل على ألسنة أصحاب ذلك الزعم، فالمشكوك فيه هم، وعروبة ألسنتهم وتوجهاتهم!..
الفوارق اللفظية ضئيلة بين معظم اللغات الغربية، رغم ذلك يستخدم كل طرف لغته الوطنية إلى أقصى مدى، عند صياغة المصطلحات العلمية والآليّة، وعند تسمية التقنيات الحديثة والمبتكرة.. مثل التصوير المقطعي المحوري، وهي تقنية تعتمد على الموجات الضوئية والمغناطيسية، ثم على ترجمة حصيلة قياساتها عبر الحاسوب إلى صور مرئية!
عُموما.. رغم عدم وجود فوارق لفظية كبيرة، نجد كل فريق من أهل الغرب حريصا على استخدام لغة بلده، على المستويات الرسمية، وفي القطاعات العلمية، وعبر النخب الثقافية، وعلى المستويات الشعبية.. هذا رغم الأصول اللغوية المشتركة، ورغم الأرضية المشتركة ثقافيا وحضاريا!.. والواقع أن من لا يحترم لغته لا يحترم نفسه، لا سيما إن انتسب إلى النخب في مجتمعه..
قد لا يسهل اختيار لفظة عربية مناسبة لتسمية كل جديد، ولكن ليس صحيحا القولُ إن الجواب هو سياساتٌ تجعل الجامعات ومراكز الدراسات لدينا، أعجمية الفكر واللسان معا.. ولا يصح الزعم القائل إن اللغة العربية لا تستوعب العلوم الحديثة ومصطلحاتها، وقد كُتب الكثيرُ عن ذلك لمن يطلب جوابا عقلانيا منطقيا، من النواحي الفكرية والنظرية والتطبيقية.. ولكن المشكلة الحقيقية تَكمُن في روح التبعية اللغوية من جانب فريق لا يتقن العربية، ولا يفهم ما تعنيه الحضارةُ ومكانةُ اللغة الذاتية فيها.
زعموا أن اللحاق بركب التقدم الحديث، يُكرِهُ الطرف الأضعف على اتباع لغةِ مَن يقود ذلك الركب، وهو الآن الولايات المتحدة الأمريكية. والكلام صحيح بحدود ما يعني إتقانَ اللغة بقصد الاستيعاب والترجمة.. ولكن دون أن يصبح وسيلة لترسيخ الهيمنة الأجنبية، فمن المستحيل أن يساهم ذلك في تحقيق أي شكل من أشكال التقدم..
مقابل ذلك.. عَلامَ لم تنتشر التبعية اللغوية للزعامة الأمريكية في اليابان، أو ألمانيا، أو فرنسا، أو الدول الاسكندنافية، وكيف بقي التدريسُ في الجامعات، والعملُ في المراكز الفكرية، وسوى ذلك من الميادين، باللغات الوطنية في سائر مراحل مسيرة التقدّم في تلك البلدان!..
ثمّ كيف بنى الأوروبيون نهضتهم الحديثة قبل قرون، وخرجوا من عصورهم الوسيطة المتخلفة، دون أن يأخذوا باللغة العربية في جامعاتهم ومناهجهم وبحوثهم، مع ما أخذوه آنذاك من أسباب التقدم الحديث وعلومه، بترجمته عن اللغة العربية، من قرطبة وبغداد وأخواتهما من عواصم الحضارة الإسلامية المزدهرة؟..
جوهر المشكلة لدينا في عصرنا الحاضر هو وجود تبعية لغوية لا يقبل بها مخلصٌ لأمته وبلاده ودينه.. وإن التخلص من تلك التبعية اللغوية، هو جزء من الواجب المفروض للنهوض في الحاضر والمستقبل..
وأستودعكم الله، ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب