خواطر – علم محدود
أغمضت عينيّ، وحاولت الاسترخاء كما طلب الطبيب، وبقيت أكثر من عشرين دقيقة، دون حراك ولا كلام، داخل جهاز بحجم التابوت من منشأة للتصوير المقطعي المحوري. لم أكن أتصوّر أنني سأصبر حتى نهاية عملية التصوير، فلطالما شعرت بالضيق إذا أطلت البقاء في غرفة صغيرة..
وشرعت أردّد بعض ما أحفظ من كتاب الله تعالى وأدعو.. اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور دروبنا، وأنيسنا في قبورنا، وشفيعنا يوم الدين.
ها أنا ذا كالجثّة الهامدة داخل جهاز بحجم التابوت، إلا أنّه أبيض مصقول، ينساب النور إليه عبر فتحة عند الرأس وأخرى عند القدمين، فكيف سيكون الحال في قبر مغلق مظلم لا تنيره المصابيح.. إلا ما حمل الإنسان من نور ذكر الله، ونور حفظ محارمه، ونور حمل أمانة دينه، قبل أن يصل إلى مثواه.. تحت التراب؟..
كم يضيق المريض بنفسه، بسبب دقائق معدودات وهو شبه محبوس، فكيف به في يوم قريب، داخل قبر ضيّق، يبقى فيه فترة زمنية لا يعلم طولها، تمتد ما بين يوم وفاته ويوم حسابه. غفرانك اللهمّ!..
بعد فحوص متوالية، وتحاليل مخبرية، وصور أشعة، ثمّ التصوير المقطعي المحوري، وبعد أربعة أسابيع من المسكنات.. اتضحت المشكلة نسبيا، وقال الأطباء إنّ الجلوس طويلا وراء المكتب، بأسلوب يخالف القواعد الصحية، سبّب خَلَلاً في مفصل عظمي، ووصلت الإصابة إلى درجة الخطورة، نتيجة نقص التروية الدموية لأحد العظام!.. ألا يحمل الإنسان نفسه قسطا من المسؤولية، عندما يستهين ببعض القواعد الصحيّة البسيطة ؟!..
خُيّل إليّ والطبيب يعرض عددا من اللوحات، وعليها عشرات الصور، من عملية التصوير المقطعي المحوري.. خيّل إليّ أنني أرى فعلا جسدي مقطّعا إلى شرائح رقيقة، أشبه بحلقات عرضية من جذع شجرة، ومضى بي الخيال إلى أنّ الإنسان يمكن أن يصل يوما ما إلى درجة تفكيك الجسم البشري ثم تركيبه.. ثم ماذا؟ قد يعود الجسد جسدا، فهل تعود الروح إليه؟..
{وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} الآية ٨٥ من سورة الإسراء..
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب