من الذاكرة
لا أدري كيف كان عصام العطار يتحدث مع سواي عن الآخرين من المعروفين في العمل الإسلامي عندما يُسأل عن ذلك، ولكن لا أحسبه مختلفا عن أسلوب جوابه عندما أسأله أحيانا عن فلان أو فلان، فيستفيض في ذكر المناقب ويوجز في ذكر سواها، مع الحرص أن يكون بقدر الضرورة المشروعة والمصلحة العامة. وأذكر في بعض الحالات أنه كان يتجنب الحديث لغياب الضرورة والمصلحة، وقد يكتفي بتعبير «رجل حبّاب» حتى أصبحت الكلمة عندي لردح من الزمن أشبه بإشارة تحذير.
وهذا -فيما أقدّر- من أسباب امتناعه عن كتابة مذكرات حركية، قد تستوجب التفصيل، وذات مرة ذكر هذا المعنى في جواب على سؤال له هاتفيا قبل إلقاء كلمة عن الأحداث في سورية مشيرا إلى ضرورة الكلمات الصريحة والقوية عن بعض أصحاب العلاقة!
كلامه عن الأحداث والمواقف صريح وقوي ولكن بعيدا عن أساليب في الكلام انتشرت فيما مضى، وانتشرت لاحقا أكثر حتى أصبحت تنخر تنخر في مسار ثورات التغيير الشعبية، ومحورها النيل من الآخرين، واستقصاء أخطائهم ونواقصهم، والتركيز عليها، فما كان هذا من شأنه إطلاقا.
هذا أول ما عرفته عن عصام العطار منذ اللقاء المباشر الأول معه؛ وإليكم الحكاية من بدايتها.
وصلت مدينة بون في ألمانيا أواخر عام ١٩٦٥م، وتعرفت بعد فترة وجيزة على مسجد بلال في آخن، وكان في طور البناء بإشراف مجموعة من طلبة الجامعة التقنية هناك، وقد قرروا تسليم إدارة المركز الإسلامي في آخن -مسجد بلال- للأستاذ عصام العطار، بعد أن تحسّن وضعه الصحيّ نسبيا، من شلل جعله يعتمد لفترة طويلة على زوجه أم أيمن رحمها الله، حتى في تناول الطعام. وقد حمل آثار المرض في بداية وجوده في مسجد بلال، فكان يقضي ما يصل إلى نصف ساعة للصعود بصعوبة على سلم لولبي من بضع عشرة درجة، من الطابق الأسفل حيث سكن في غرفة فيه، إلى الحرم.
لم يمنعه المرض المبكر من الشروع في جلسات محلية والدعوة إلى ندوة شهرية من ظهر السبت الأخير من كل شهر ميلادي إلى ظهر يوم الأحد التالي، وقد بدأت الندوة فعلا ببضع عشرات من الأفراد غالبهم من آخن، ولكن استقطبت مع الزمن الألوف من أنحاء أوروبا حتى ضاق بها المسجد.
لم تكن استجابة العرب والمسلمين للدعوة الإسلامية كبيرة في البداية، ففي بون مثلا، نادرا ما بلغ تعداد المصلين يوم الجمعة الثلاثين فردا في مصلى تلقى الخطبة فيه بالعربية، ومثل ذلك في مصلى مماثل أقامه الإخوة الأتراك، ومع مرور الزمن أصبح في بون بضعة عشر مصلى ومسجدا تجمع الألوف أسبوعيا؛ وكان أستاذي الجليل يبحث عمن يشارك في الأنشطة الإسلامية الوليدة، ولم يستخدم البريد والهاتف، بل لم تكن الوسائل التقنية الحديثة معروفة بعد، إنما عمد إلى اللقاء المباشر أسلوبا في التواصل، وبقي يحث على ذلك رغم انتشار وسائل التواصل السريعة.
آنذاك شمل تواصله المباشر كاتب هذه السطور، إذ أبلغني أحد الأصدقاء أن عصام العطار راغب في زيارتي في بيتي في بون! أهلا وسهلا يقولها من لم يبلغ العشرين بعد، معجبا بنفسه، بل هذا مع نية استفزاز من كان يشغل موقع المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية، ومن اكتسب مكانته العابرة للحدود بين البلدان العربية والإسلامية.
كان هادئا، لين الحديث، واضح العبارة، لا يستشعر سامعه أن وراء ما يقوله هدفا غير الذي يصرح به، ولكن كنت في عالم آخر، أفكر بما أعددته لذلك اللقاء الأول، انطلاقا من فترة عامين قبل مغادرة دمشق، حيث كان لاسم عصام العطار أصداء لا تغيب عن الأسماع؛ وكنت أتردد آنذاك على الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله في مسجد أبي النور، قرب حي الأكراد آنذاك المعروف بحي ركن الدين لاحقا. وكنت أشهد من كثب ما أُنكره من التربية على الطاعة دون تفكير، ومن تعامل غير مقبول مع السلطة، ولكن أعيب على بعض من عرفت أو من ينسبون أنفسهم إلى الإخوان المسلمين بالمقابل انتقادهم إياه فيما ليس فيه، والغفلة عن أمور أجدر بالنقد.
الأهم من ذلك ما اندلع من خلاف على خلفية دورة انتخابية نيابية في سورية عندما أيّد كفتارو مرشح البعثيين رياض المالكي على حساب المرشح الإسلامي مصطفى السباعي؛ تلك كانت عندي فرصة سانحة لإثارة جدال مع الضيف الكبير في أول لقاء يجمعني به! بل قبل وصوله استخرجت صورة لكفتارو لدي، ووضعتها في إطار على طاولة الدراسة بحيث يراها من يدخل إلى الغرفة تلقائيا.
على عادته كما عرفته من بعد، دار الحديث عن أوضاعنا الدراسية والعامة في الغربة، كما شمل أوضاع الإسلام والمسلمين، ومسجد بلال، والندوة الشهرية الوليدة، ولم يشغلني ذلك عما أردت، فاخترعت سببا واهيا ليقوم معي من أصبح أستاذي الجليل لاحقا، وكان يوم زيارته الأولى في بيتي دون الأربعين من العمر، وليدخل الغرفة الأخرى ويقع بصره على صورة كفتارو، متوقعا أن أسمع ما يقوله عن غريم له، وما ظننت أنه سيذكره بخير!
لم أسمع تعليقا.. لم أسمع ما أردت سماعه.. لم أسمع جوابا على استفسارات استفزازية.. وترك ذاك الذي لم أسمعه أثرا أعمق لدي مما سمعته.
وبقيت عبر عشرات السنين التالية لا أسمعه يتحدّث إلا نادرا بما يمسّ الآخرين من أوساط العمل الإسلامي والفكر الإسلامي، وكلمة نادرا تعني أنه كان يستجيب بقدر ما تفرضه الضرورة والمصلحة لمواجهة واقعة تمر بنا، ونتيجة إلحاحنا للاستفادة من معلوماته بحكم التجربة، والمعايشة، والمشكلات الكبيرة والصغيرة.
بين يدي مثال على حدّ الضرورة والمصلحة، من فترة أحداث الثمانينات في سورية، وكنت في مؤتمر في أحد البلدان الأوروبية، فطلب المسؤولون أن أشارك بكلمة عن الأحداث، بسبب ضجة وراء كواليس اللقاء اصطنعها أربعة أفراد قدموا من بلد عربي، وكانوا ينفردون بشاب بعد شاب فيمارسون ما لا يليق صنعه من منطلق إسلامي أو منطق سياسي، لاستمالتهم إلى من يمثلونهم، إلى جانب حديثهم عن عصام العطار بما لا يليق أدبا، ولا يصح مضمونا، للنيل من مكانته لدى أولئك الشباب. قلت للمسؤولين إن الكلمة المطلوبة مني لا بد أن تتضمن الحديث الصريح المباشر مما يكشف أمر هؤلاء أمام الحاضرين على غير ما اعتدنا عليه في المؤتمرات والندوات، واعترض المسؤولون وهم يعرفون مثل ما أعرف عن أستاذي الجليل فاحتجوا به وهو الذي كان يتعرض للنيل منه أثناء المؤتمر: «لا ريب أن الأستاذ لا يرضى بمثل ذلك».
اتصلنا به هاتفيا وحصلت على مزيد من المعلومات منه، وكان جوابه: بل يجب البيان بقوة وبقدر الضرورة، فلا يجوز إغواء الشباب على هذا النحو، لا سيما ونحن نعايش المآسي في بلادنا.
والواقع أن النيل من بعضنا بعضا أصبح الشغل الشاغل لفريق كبير ممن يتحدثون باسم ثورة ٢٠١١م شبيها بما شغل فريقا ممن كانوا يتحدثون باسم الثورة خلال أحداث الثمانينات؛ وقد وصلتنا أثناء المؤتمر الذي نوهت إليه الأخبار الأولى عن المذبحة الإجرامية بحق المعتقلين في سجن تدمر، إحدى المذابح الأشد من سواها فحشا وفجورا في السنوات الثلاث، ما بين ١٩٧٩ و١٩٨٢م.
ليس أمرا جانبيا في واقع الحياة أن يكون من صميم الالتزام بالإسلام التحذير الشديد من آفات اللسان، والقلم مثله، إنما لا يمكن اصطناع السلوك المطلوب وتطبيقه بين ليلة وضحاها، بل يتحقق تلقائيا في فترة الأزمات والمحن والثورات، عندما يكون في سائر الأيام جزءا عضويا لا ينفصل عن تكوين الجوانب الأخرى من شخصية الإنسان الفردية السوية.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب