ضاقت المساجد بالمصلين

ذاكرة – جيل المستقبل بعد جيل الوافدين وجيل الصحوة

ضاقت المساجد بالمصلين

**ذاكرة **

أتحدث عن تنامي الوجود الإسلامي في مدينة بون، باعتباره نموذجا يسري على كامل ألمانيا وربما أوروبا عموما، وقد أقمت في المدينة أو بعض البلدات القريبة منها منذ قدومي إلى ألمانيا عام ١٩٦٥م، ولم يكن فيها مصلى للمسلمين إطلاقا ولا كان للحجاب وجود إلا نادرا وهو منتشر في كل مكان الآن في عام ٢٠٠٧م عند كتابة هذه السطور، وأصبح يوجد في المدينة بضعة عشر مسجدا ومصلى، أكبرها مساحة مسجد المحسنين الذي يضمّ أيام الجمعة ما يتراوح بين ١٥٠٠ و٢٠٠٠ من المسلمين، ثم مسجد المهاجرين ويتسع لزهاء ألف مسلم، ويقع وسط المدينة، وغالبا ما يمتلئ فيصلي بعض الوافدين إليه على الرصيف.

ويوجد مصلى النور في مقاطعة جودسبيرج جنوب المدينة، وكان يتسع لبضع مئات، وفوجئ القادمون إليه في أول جمعة من رمضان عام ١٤٢٨هـ بأن الباب مغلق، وعليه ورقتان، إحداهما بالألمانية وضعتها سلطة البلدية، تقول إن المصلى أغلق بسبب الضجيج وإزعاج الجيران، وتقول الثانية بالعربية، إنّ المصلّى سيكون يوم الجمعة القادمة مفتوحا، وستؤدّى فيه صلاة الجمعة مرتين ما بين وقت الظهيرة ووقت العصر، لتخفيف عدد المصلين في كل مرة، ويبدو أن الاتصالات بين الإدارة وبلدية المدينة أسفرت عن هذا الحلّ، ربما أسوة بمسجد المهاجرين، فرغم حجمه الكبير نسبيا أصبح لا بد من أداء صلاة الجمعة مرتين بعد الحصول على فتوى بهذا الصدد. وكان مما يلفت النظر، أنّه بعد الشروع بالصلاة مرتين، لم ينخفض العدد بل ازداد، فقد كان المصلى يمتلئ مرة واحدة، وأصبح يمتلئ عن آخره مرتين، ممّا يشير إلى أن العدد تضاعف تقريبا.

قد يضيق صدر المسلم وهو يرى ضيق المدينة بأماكن الصلاة للمسلمين فيها، وقد يضيق للحجة التي تُذكر في مواجهة ظاهرة الإقبال على الصلاة، ولكن لم يسبق أن سمع بإغلاق كنيسة في بلد إسلامي، توجد فيه نسبة ما من المسيحيين، ولم يعترض أحد على إزعاج أجراس الكنيسة لأهل المدينة.

في الوقت نفسه ينشرح صدر المسلم وهو يرى ذلك الإقبال الكبير على الإسلام، وهو إقبال جيل الشبيبة إلى حد كبير، فلم تعد المساجد والمصليات تجمع صفا أو بضعة صفوف من المتقدمين في السن، من دون الشباب، ويذكر كاتب هذه السطور أن المصلى الذي كان يؤدي الجمعة فيه أواخر الستينات من القرن الميلادي العشرين كان واحدا من بين مصليين اثنين فقط في المدينة، ولم يكن يجمع في صلاة الجمعة لفترة طويلة سوى بضع عشرات، وهذا قبل جيل واحد.

يضاف إلى ذلك أنّ هذا الجيل من الشبيبة الذي يقبل على الإسلام ذكورا وإناثا، هو الجيل الذي ولد معظم أفراده في ألمانيا، في بلد غربي، ونشأ فيه، وكان أهلنا عموما يخشون أن تزل بمواليد الوافدين القدم فينحرفون.

ولا أودّ هنا التركيز على التساؤل علام لا تتدخل الجهات الإسلامية الرسمية وشبه الرسمية من بلادنا لصالح المسلمين الألمان والمتجنسين والمقيمين في ألمانيا، فتعمل على إيجاد ما يكفي من المساجد والمصليات وسواها من المرافق الإسلامية الثقافية والاجتماعية لهم، وذلك على نحو ما تفعل جهات أجنبية لصالح المسيحيين من الإخوة في الوطن الواحد داخل بلادنا. إنما أتساءل كيف سيكون حال المسلمين بعد جيل واحد في بلد كألمانيا؟.. كيف سينشأ جيل الأحفاد الذي يربّيه جيل الصحوة، بعد أن نشأ جيل الصحوة في أصعب الظروف.. وأقبل على الصحوة إقبالا واسع النطاق.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب