نفحات رمضانية من إسبانيا

ذاكرة – من رمضان ١٤٢٨هـ في إسبانيا

نفحات رمضانية من إسبانيا

**ذاكرة **

أتحدّث هنا ببساطة عن جيل المستقبل، على طريق بناء المستقبل. ومن يملأ موقعه بمثل ما يصنعون، سيجد أنّ العطاء سيرفد العطاء، والحصيلة ستتراكم مع الحصيلة، ولبنة بناء المستقبل ستسند أختها، من وراء الحدود وعبر الآفاق، ومن أحقّ ببناء المستقبل من جيل المستقبل؟.. ليتجاوز حاضرنا وما فيه، ويكسر ألوانا من القيود صنعناها وتمسكنا بها، حتى اعتدنا عليها وجعلناها إرثا ثقيلا، فلنشكر أبناءنا وبناتنا وهم ماضون نحو الأفق الذي لم نصل إليه، والهدف الذي أكثرنا الكلام عنه، والغاية الجليلة التي نرجو بلوغها.

أكتب هذه الكلمات يوم السبت ١٠ رمضان ١٤٢٨هـ و٢٢ / ٩ / ٢٠٠٧م، وأتحدّث بصيغة المتكلم، إذ أمدّ بصري عن بعد إلى لقاء رمضان الأسبوعي لتجمع الشباب المسلم في مدريد، في هذا اليوم الذي أكتب فيه، وفيه إفطار شبابي للذكور بين ١٢ و١٧ سنة، وكان مثله للإناث من الفئة العمرية نفسها قبل أسبوع.

ويتخلل اللقاء عرض مرئي فكاهي عن التجمع، ويليه حديث مع الأخت الفاضلة الأستاذة نوال السباعي عن الحملة الرمضانية عن العفة والشرف، وهي حملة تستمرّ طوال الشهر، ويرجى أن تبقى آثارها بعد رمضان لدى الفتية والفتيات المشاركين، ثم يُختتم اللقاء بتوزيع هدايا مفاجآت على الفتيان كما كان قبل أسبوع مع الفتيات. واللقاء المذكور مثال على لقاءات الشبيبة في رمضان، ولقاءاتُ رمضان مثال على اللقاءات الدورية والأنشطة التي يمارسها التجمع منذ نشأته، ولنشأته قصة يرويها الواقع المشهود.

كانت البداية مع يمان إدلبي، ابنة الأخ العزيز الدكتور أيمن إدلبي وزوجه الكاتبة المعروفة نوال السباعي، وقد كان ليمان قصة قد لا تختلف إلا في التفاصيل عن قصص وقعت لمثيلاتها من الفتيات اللواتي ولدن في الغرب ونشأن فيه، ولم يعرفن سواه موطنا، واندمجن في مجتمعه اندماجا متوازنا، والتزمن بالإسلام، ومن ذلك الحجاب، فواجهن بعض العسف.

يمان وبعض أخواتها وإخوتها كانوا يوم تفجيرات مدريد في ١١ / ٣ / ٢٠٠٤م، جزءا من المجتمع الإسباني الذي أصيب بالذهول، كما أصيب بالهلع، وبدأت ردود الأفعال العشوائية تصبّ جام الغضب على المسلمين من أبناء المجتمع نفسه؛ حالة مرعبة، من المفروض أن تدفع المسلمين إلى التزام بيوتهم على الأقل، وتجنّب التعرّض للأذى، فالغضب لا يميز بين مرتكب العملية والبريء، ولا تقف عواقبه عند حدود العقل والمنطق، لا سيما بعد أن تسارع انتشار الحديث عن أن خطر ارتكاب العمليات لم يعد يقتصر على مجموعات من خارج الحدود، بل امتد إلى مزيد من الفئات المسلمة الغاضبة، ومنها فئة المستوطنين والمتجنسين وأهل البلاد الأصليين في الغرب،

في تلك الساعة ووسط تلك الأجواء المخيّمة على مدريد تتنادى يمان وأخواتها وإخوتها للتحرك الإيجابي في مجموعة صغيرة، ولقد كانت للمسلمين الأوروبيين تجربتهم مع حدث التفجيرات في نيويورك وواشنطون من قبل، وكانوا يدركون ما يعنيه حدث إرهابي غير مسؤول من تأجيج ردود فعل مضادة غير مسؤولة، لا تفرّق أيضا ما بين البريء والمذنب، وما يمكن أن يتسلل من خلالها من تحركات مقصودة لتوجيه ضربات مبيتة. كان لا بدّ من التحرّك الإيجابي لوقف مفعول تلك الدوّامة الرهيبة، فمن يتحرّك؟

شباب وشابات في مقتبل العمر، في مجموعة تضم يمان، وأختها سلام، وأخاهما الأصغر عبد الرحمن، ومن يعرفون من الأصدقاء من الإخوة والأخوات في مثل أعمارهم، أقبلوا على إعداد بضع لافتات حول السلام، وانطلقوا معا إلى عرين الغضب في محطة قطارات مدريد، حيث كان الهرج والمرج مختلطين بالحزن والألم، وحيث كان ظهور مسلم معروف بمظهره الخارجي، ومسلمة على رأسها حجابها، عملا فدائيا جريئا بكلّ معنى الكلمة، ولم يمنع ذلك من خوض غمار المخاطرة، ولم تكن تلك المغامرة خالية في بدايتها على الأقل من ردود فعل تعرض تلك المجموعة الصغيرة للخطر، ولم يصدها ذلك عن المتابعة لتؤدي المهمة التي أخذتها على عاتقها.. ونجحت المهمة.

من قلب الحدث ولد صوت آخر للمسلمين في مدريد، وانتشر مفعوله الإيجابي بأقوى مما كان يُستشرف له بمقاييس إمكاناته الشبابية والمادية، فكان لقوته المعنوية أثرها في اختراق حاجز الغضب والرفض والخطر في آن واحد.

مجموعة الشباب المسلم الصغيرة التي تحركت ردّا على الحدث الإرهابي، أصبحت نواة تجمع الشباب المسلم في مدريد، وتحركها العفوي الأول أصبح نواة تحرك قلّ رصد مثيله على امتداد البلدان الأوروبية.

لقد اتخذ مسار هذه المجموعة طريقين متكاملين، أحدهما تحويل الردّ العفوي إلى أنشطة مستدامة الأثر، وثانيهما تحويل اللقاء على هذه المهمة إلى نشاط شبابي إسلامي دائم العطاء لإعداد الشبيبة المسلمة ذكورا وإناثا للمستقبل الذي ينتظرهم  في موطنهم الأوروبي.

لقاءات رمضان وما قبله وما بعده جزء من هذه المسيرة، على أنّ الجزء الآخر الذي أصبح له أثره الثابت داخل المجتمع الأسباني كان من خلال ما أبدعته تلك المجموعة الجديدة الناشئة، فلم يمر العام الأول على بدء المسيرة إلا وكان لها صداها الواسع النطاق؛ من ذلك كمثال دون تفصيل: كتاب التضامن والمواساة مع ضحايا اعتداء ١١ آذار/ مارس، وهو بثلاث لغات، الإسبانية والإنجليزية والعربية. ويضم ٥٠٠ بطاقة، رسمها أطفال مدريد المسلمون، من سن الرابعة فما فوق، مع تعليقات عليها، مثل هاجر ابنة الخمسة أعوام، ودانا ابنة اثني عشر ربيعا، ونور ابنة أربعة أعوام، وثريا ابنة ثماني سنوات، ومن التعليقات على سبيل المثال دون انتقاء، ودون الحصر:

(نريد السلام) (لقد قتلونا جميعا) (سنمضي كلنا ضدّ الإرهاب والإرهابيين) (أليست لكم أمهات كأمهات أولئك الذين قتلتموهم؟) (أريد أن أقول: لا تفعلوا هذا) (ليس الذنب ذنبنا.. نحن لم نصنع شيئا) (بالقتل لن تحصلوا على شيء) (نريد السلام ولا نريد الحروب) (لا للإرهاب.. لا للحرب.. لا لمزيد من الدم).

أما التعليقات المطوّلة بما يناسب الصور المنشورة، فيصعب نقل نماذج عديدة منها، فيكفي مثال واحد على ذلك: (نعم.. لا يجب أن ننسى قتلى ١١ آذار، ولكن علينا كذلك أن لا ننسى القتلى الذين يسقطون يوميا في فلسطين والعراق وفي كثير من الأماكن. علينا أن نعمل جميعا لنحول دون سقوط الضحايا في كل الأنحاء).  

صدر في أوروبا كثير من البيانات والمواقف بل وبعض الكتب، عن المسلمين وغير المسلمين، إنما يسري على معظمها القول إنها إما أن تعبر عن اتجاه وموقف وفئة، أو تبقى في إطار الرد والرد المضاد على وتيرة العنف والعنف المضاد، ولا تحول القضية المشتركة إلى أرضية مشتركة.

ولكن أنّى لمجموعة من الشباب والشابات أن يموّلوا الطباعة والتوزيع على نطاق واسع، يوصل ما يريدونه وما جمعوه في حملة كبرى من رسوم الأطفال والناشئة، وما وضعوه من عبارات ناطقة بما يجيش في قلوب المسلمين وعقولهم، إلى من ينبغي أن يصل إليهم من فعاليات المجتمع وعامته حولهم؟..

في الجواب على ذلك إبداع كبير أيضا.

النسخة الأصلية من الكتاب بحجم (١١٠×١٣٠) وجدت طريقها إلى (المكتبة القومية الإسبانية) وهو الكتاب الوحيد من نوعه فيها، واستنسخ منه ست نسخ بالحجم نفسه أرسلت إلى رئاسة الوزراء بإسبانيا، ومحافظ مدينة مدريد، وجمعيات الضحايا. وطبع عشرون نسخة بحجم أصغر وزعت على عدد من الوزارات والجامعات والمراكز الثقافية الكبرى، كما استنسخ مائة نسخة لمختارات من الكتاب (١٢) صفحة وزعت بمناسبة مرور الذكرى السنوية الأولى للحدث على وسائل الإعلام الإسبانية. وتُخصّص نسخة أخرى بالحجم الأصلي الكبير لمتحف تحت الإنشاء باسم (متحف أرشيف الألم) ليكون هذا الكتاب هنا أيضا النسخة الوحيدة من نوعها من جانب طرف إسلامي مساهم في محتويات المتحف. وفي الختام بإيجاز شديد:

أتمنّى أن يلقى تجمع الشباب المسلم في مدريد الدعم على أوسع نطاق ممكن، ماديا، وفكريا، وإعلاميا، ومعنويا، وأشهد أنّ من بين سائر ما عايشته من أشكال العمل الإسلامي في أوروبا، عبر عدة عقود مضت على وجودي في ألمانيا، يحتل هذا العمل فيما أحسب مكانة الصدارة، تعبيرا عن الإسلام كما ينبغي أن يكون التعبير عنه في هذه البلاد، وهو عمل واعد للمستقبل من خلال نشأته ونموه مع أبناء جيل المستقبل وبناته، وقد بات عددهم في تجمع الشباب المسلم في مدريد أكثر من مائتين، فكيف لو وجد مثل ذلك التجمع في كل مدينة من المدن الغربية وعمت أنشطة مماثلة لأنشطته في المجتمعات الغربية، لنتحول من قول إلى عمل، ومن حديث عن الجسور إلى بناء الجسور؟!!

وأسأل الله في رمضان لبنات مدريد وأبنائها في هذا التجمع، ولكافة بنات جيل المستقبل وأبنائه التوفيق لما يحب ويرضى من قول وعمل، في الدنيا والآخرة، وأن يجزيهم خيرا على تجديد الأمل في نفوس جيلنا الذي عايش ما عايش في بلاد “الغربة”، حتى أصبحت في هذه الأثناء موطنا مستقرا لبناتنا وأبنائنا ونورا مبشرا بمستقبل أفضل لهم وللمجتمعات التي يعيشون فيها.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب