ذاكرة شخصية
أجرى غسان الحسن، مراسل مجلة اتحاد منظمات المجتمع المدني السوري حوارا مفتوحا مع نبيل شبيب أثناء وجوده في إسطنبول للمشاركة في عدة فعاليات ثورية سورية.
٠ ٠ ٠
س: أستاذ نبيل، من أنت؟
جواب: أنا مواطن عربي، مواطن فلسطيني، مواطن سوري، مواطن مسلم، إنسان، خذ أي تعريف تريد ما دامت تحدده الرؤية التي أؤمن بها وأنطلق منها في الواقع العملي.
س: حسب كتاباتك عرفناك ككاتب فلسطيني
جواب: هذا تعريف ناقص، فقد كتبت عن القضية الفلسطينية، وكذلك عن الثورة السورية، وثورة مصر، وبشكل موسع عن كل منها وسواها، فأنا أشعر بالانتماء لكل منها وفق صيغتها العربية أو الإسلامية أو الإنسانية أو الحضارية التاريخية.
س: دعنا نتكلم عن طفولتك ومكان ولادتك، كيف كانت الأجواء حينها وما الذي حملك على الهجرة إلى ألمانيا في تلك الحقبة؟
جواب: ولدت في عكا، في فلسطين، وكان أبي من أسرة دمشقية، إنما عمل في فلسطين، في عكا وحيفا لمدة ١٧ سنة، فأنا وبعض إخوتي ولدنا في فلسطين، ولم تكن توجد حدود فاصلة بين بلادنا، وهاجرتُ سنة ١٩٤٨م، بمعنى عدُت مع الأسرة إلى دمشق. وفي البداية أقمت مع عائلتي في دوما، حيـث كان جدي، وهذا أول ما أعيه في الدنيا، حيـث كان عمري أقل من ثلاثة أعوام، وقد عشنا حوالي ثـلاث سنوات في دوما، ثم كانت النشأة الأولى في دمشق، في ساحة عرنوس، وشارع الروضة وشـارع عبد الحميد الزهـراوي ثـم فيما بعد كان في حي الأكـراد (ركـن الديـن لاحقا) فكنت بذلك على تواصل مع إخواننا من المسيحيين ومن الأكراد، ودون أن اشعر باي فارق، نشانا كأطفال مع بعضنا، وكعائلات أيضا داخل الحي الواحد. وفي سـنة ١٩٦٥م عندما ذهبت إلى ألمانيا، ذهبت بقصد الدراسة وبقيت أتردد على سورية حتى سنة ١٩٧٨م، حتى أصبحت الزيارة مستحيلة، بسبب ما جرى من أحداث آنذاك.
س: هل كان لما جرى في سورية تأثير عليك؟ هل كنت من المطلوبين أمنيا في سورية؟
جواب: أنا في الأصل أكتب، وهذا قبل أحداث الثمانينات، وبتنوع كبير، بمجلة الإصلاح الإسلامية، وفي جريدة الحياة، وفي جريدة الخليج، الأقرب إلى الاتجاه العربي القومي اليساري، وكتبت فـي جريدة الشرق في الدوحة، وكنت أتجنب الارتباط باتجاه ما، وعندما بدأت الأحداث كنت أكتب حولها، كما كنت في تلك الفترة مسؤولا عن إدارة التحريـر في مجلة الرائد، التي كانت تصدر عن المركز الإسلامي في آخن بألمانيا واتحاد الطلبة المسلمين في أوروبا، وكان صاحب الفكرة والتأثير الكبير عليهـا الأستاذ عصام العطار، وقد أقام في ألمانيا بعد أن أغلقت الحدود دون عودته من الحج إلى سورية واستحالت إقامته في بلد عربي آخر بسبب شروط غير مقبولة؛ فالواقع هو أن الكتابة الإعلامية وارتباطي بالعمل الإسلامي مع عصام العطار هـما السبب أنني صرت مطلوبا مـن أجهزة استخباراتية قمعية توصف بالأمنية، وقد أبلغت بهذا رسـميا، بل لم يقتصر الأمر على الخطر المانع من زيارة سورية، فقد كان ممتدا إلى ألمانيا، لا سيما بعد اغتيال بنان الطنطاوي العطار في آخن.
س: نريد أن نعرف عن بداياتك في ألمانيا، ماذا عملت وكيف بدأت، حبذا لو حدثتنا عن تلـك الفتـرة؟
جواب: في سورية كنت في السابعة عشرة من العمر أي بين ١٩٦٤ و١٩٦٥م أعايش أحداثا جساما كاقتحام المسجد الأموي في دمشق عسكريا، والهجـوم على مسجد السـلطان في حماة، ووصول حزب البعث للسـلطة، وقد بدأ يقيّد ويتجبّر، وخلال ذلك أستطيع القول إنني تمردت طلابيا عبر نشاطات عدة، كتابية وغير كتابية، مما جعل والدي يشعر بالخطر والخوف عليّ، فكان طلبه لي أن أسافر وأدرس في ألمانيا. كذلك كان لي في ألمانيا نشاط في تلك الفترة من خلال إلقاء محاضرات وحضور مؤتمرات، وبدأت بدراسة العلوم السياسية والقانون الدولي، لكـن ولانشغالي الشديد لم أستطع أن أكملها بعد الوصول لمرحلة الماجستير، فلم أتمكن من التقدم لطلب الشهادة، وهذا ما لا أنصح به، فأنا أدعو إلى التخصص والتكامل، لكن أقول إن عملي الإعلامي أصبح بشكل طبيعي يطغى على سواه في ترتيب الأولويات، وقد دعم ذلـك حبي للغة العربية ونشاطي الإعلامي العملي.
س: هل كان لوجود السوريين والعرب في ألمانيا، تأثير على المجتمع الألماني؟
جواب: الواقع أن الأسرة الألمانية تفككت، أما الأسرة العربية فلم تتفكك، وهناك نسبة عالية من المسلمين الذين يراعون علاقات أسروية جيدة، رغم وجود سلبيات أخرى، ولعل تناقص عدد الأفـراد مـن أصل ألماني، وبقاء تنامي الأسـر المسلمة أصبح يؤثر في التركيبة السكانية للمجتمع الألماني.
س: حبّذا لو حدثتنا عما قدّمته لأجل القضية الفلسطينية، وكيف واكبتها طيلة الفترة الماضية؟
جواب: لقد ولدت قبل النكبة بسنة، أي أنني نشأت مع مسارات القضية الفلسطينية بعد النكبة، وكان الاهتمام المباشر بعمق بها سنة ١٩٦٧م مع وقوع النكبة العسكرية الكبرى، والتي تضاعف ظهور تأثيرها سنة ١٩٧٨م عندما حدثت النكبة السياسية الكبرى، أي عندما عقدت اتفاقية كامب ديفيد ثم أوسلو من بعد. كان الأمر متتابعا، فكان أول من تحدث عن إمكانية الصلح دون التحريـر هـو ياسر عرفات سنة ١٩٧٠م وكان في قطر، ثم حرب الـ ٧٣ التي صُنع فيها حافظ الأسد صاحب مذبحة تل الزعتر، ومذابح الخيام، وغيرهما كثير، كما صُنع فيها السادات، وإذ بالسادات يقدم على نكبة كامب ديفيد؛ وأعتقد أن حرب الـ ٧٣ كان يصنع بها من يمكن أن يمرّروا النكبات التالية، واهتمامي الأكبر بالأحداث كان مرتبطا بعملي وما أحسب أنني أتقنه، أي عبر الجانب الفكري والإعلامي في تلك الفترة، فصدرت لي عدة كتب عن قضية فلسطين ومن ذلك كتابان حول قضية كامب ديفيد، الأول كان تقويم معاهدة كامب ديفيد، والثاني تقويم معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وقد كان كل كتاب عبارة عـن دراسة علمية منهجية وحقوقية دولية، وليس مجرد كتابة حماسية، أو مجرد رأي؛ دون الاستهانة بهذه الجوانب، وكان لي نصيب منها.
س: أود أن تخبرنا عن رؤيتك للخلاص بالنسبة لسورية في ظل هذا الوضع الدولي المعقد والمتأزم؟
جواب: في الواقع يمكننا أن نتنبأ بنتائج حدث جديد بالقياس على حدث مشابه سابق، أي وفق قواعد تصنعها خبرة سابقة، أما عمليات التغيير التاريخية الكبيرة، وبلادنا تعيش مثل هذا التغيير، فتأتي بجديد، ولا نستطيع أن نتنبأ بها بناء على القواعد التي اكتسبناها بالخبرة والدراسة من أحداث تاريخية سابقة، وأودّ القول بأن الحد الأدنى الذي يجـب أن نعرفه جميعا، بأن الثورات التي وقعت في عدد من البلدان العربية، وقبلها السقوط الحضاري للولايات المتحدة الأمريكية من خلال احتلال العراق، وقبل ذلك تطورات قضية فلسطين والانتفاضات الشعبية خلالها؛ في الواقع هذا الذي يصنع التغيير، ليـس فقط ما يسمى الربيع العربي، إنما مجموع التحولات في بلادنا وخاصة في فلسطين والعراق والدول الخمس التي شهدت هذه الثورات، وهي أول ثورات شعبية في التاريخ، فهي لأول مرة ثورات تصدر عن الشعب مباشرة. يجب أن ندرك أن الثورات فتحت بوابة تغيير تاريخي عميق وجذري. وهذا يحتاج إلى فترة زمنية قد تطول أو تقصر، وليـس معنى ذلك أن تستمر الدماء والقتال والمواجهات، بل توجد مسارات أخرى، وتبقى عملية التغيير جارية، وباعتقادي أن العنصر الأساسي الذي يصنع التغيير تاريخيا وحاليا، هو الإنسان. وفي صناعة الإنسان نحتاج لفترة زمنية لا يمكن اختزالها، والثورات تساهم في صنعه، وكذلك الجهود الموجهة مباشرة لصناعة الإنسان، وهنا أريد أن أمتدح اتحاد منظمات المجتمع المدني السوري، فأقول إن العمل المدني والأهلي من أهم العناصر التي نحتاج إليها في هذه المرحلة حتى نختار تلك الفترة، فمنظمات المجتمع المدني هي التي تعيننا على إدارة الأزمات، وعلى معالجة المعاناة، وتعيننا على عملية البناء، فإذا استطعنا أن نبذل جهودا أكبر، تضاعفت السرعة لتحقيق الهدف، فالتغيير هو الأهم، لا أن يتصور فريق منا بأنهم إذا عقدوا مؤتمرا في جنيف أو فيينا أو بطريقة من الطرق، قـد ينهون الثورة، وينتهي معها كل شيء، أو إن صنعوا انقلابا كما صنعوا في مصر، هذا في الواقع لا يغير من حقيقة أن التغيير بدأ، يمكن أن تحدث انتكاسة ثم نعود للأمام من جديد، أما أن نرجع إلى ما قبل الـ ٢٠١١م فهذا مسـتحيل.
س: هل أنت متفائل؟
جواب: إن كلمة تفاؤل استهلكت حتى فقدت معناها، فالتفاؤل الذي يعني بأن ننتظر أن يحدث شيء على كل حال، أرفضه، وأدعو للتفاؤل المقترن بالعمل والجهد والبذل؛ إن النظرة الموضوعية التفاؤلية، تؤكد أننا على طريق التغيير، أما النظرة التفاؤلية التواكلية فهي حرام في الإسلام، وحرام في العمل بشكل عام.
س: ألا ترى أن الثورة السورية هي ثورة مكاسب وليـس نتائج؟
جواب: في الواقع النتائج هي مكاسب تراكمية، يوجد نتيجة قاطعة تحصل مائة في المائة وانتهـى. أما النتائج الاجتماعية أي التغييرات المتتابعة كما يحدث فـي بلادنا فهي تراكم المكاسب، إلى جانب وقوع نكسات، فيجـب أن تكون حصيلة المكاسب أكبر من حصيلة النكسات، وعندها تظهـر النتائج تدريجيا، ولا تظهر دفعة واحدة، وثورتنا بهذا المعنى نعم، ثورة كاشفة، بينت الأمور للإنسان السوري، ولو أنه كان يشعر بذلك شعورا، ولكن رآها الآن رأي العين. يا أللّه ما لنا غيرك يا ألله، ليـس هذا النداء خاصا بإنسان مسلم، بل هو تعبير عام، فليـس لذلك علاقة بالمسلم فقط، إنما له علاقة بأن هذا العالم من حولنا، والذي يمارس مؤامرة، وهنا أستعير التعبير من المجرم بشار الأسد، هي مؤامرة كونية بالفعل، لكـن ضد الشعب السوري ومثله من الشعوب التي تريد أن تتحرر. وأقول إنه مـن أعظم المكاسب أننا أصبحنا ندرك أين نحن وماذا نصنع، وأن الشيء الذي نصنعه يغير الدنيا، وليـس فقط يغير في بقعة جغرافية صغيرة، وبثورتنا نحن نريد أن يسقط النظام وتسقط علاقاته الخارجية، التي تجسـد النظام الحقيقي وليـس فقط شخص المجرم بشار، والمرتبط بالغرب وليـس فقط بروسيا، وغير مرتبط بفلسطين وقضية فلسطين، بل أودى بالقضية الفلسطينية على مدى أربعين سنة ابتداء من تل الزعتر وانتهاء بمخيم اليرموك، بهـذا المعنى حققنا مكاسب كبرى، منها أن الإنسان السوري والعربي عامة على اختلاف توجهاته بدأ يشعر بما يجب أن يصنع، وعندما يكتشف الكيفية تكون الخطوة التالية، وهنا أؤكد أن هذا من أهم مهام منظمات المجتمع المدني.
وأستودعكم الله ولكم أطلب السلام من نبيل شبيب