ذاكرة
من بين وقائع كثيرة تندرج تحت عنوان هذه الخاطرة، أذكر من أيام ما سمي أحداث الثمانينات من القرن الميلادي الماضي، لقاء للأستاذ عصام العطار مع بعض صانعي القرار في مسار تلك الأحداث، وقد حضرته مع آخرين ممن غلبت عليهم الحماسة أن نشهد قريبا نهاية للطغيان في سورية.
لم يكن مجرى الأحداث قد تضمن بعد مؤشرات واضحة الدلالة بشأن منتهاها آنذاك، وكان الضيف الرئيسي من القادة الميدانيين، وكان يؤكد أن الاعتماد على دعم الحكم القائم في العراق (أيام صدام حسين وحزب البعث) سيعطي الثورة دفعة قوية، وسيجعل النصر قاب قوسين أو أدنى، ومن أشكال الدعم التدريب على أرض قريبة من الحدود بين البلدين؛ وسمعت أستاذي الجليل يحذر من الاطمئنان إلى ذلك، ويفصل الحديث في نوعية الحكم القائم في العراق، وعن التقلبات السياسية المصلحية التي يمكن أن تصل إلى درجة الغدر ونقض الوعود والطعن في الظهور.
رغم الحماسة لدي وأمثالي أحسب أنني استوعبت المقصود، ولكن بدا لي أن الكلام لم يصل إلى اقتناعات القائد الذي تحدث بدرجة كبيرة من الاعتداد بالنفس، وهو ضروري عادة ولكن لا ينبغي أن يؤثر سلبا على التقدير الموضوعي لعوامل النجاح واحتمالات الإخفاق.
وددت ألا يصدق استشراف المستقبل على الصورة التي يحذر عصام العطار منها، وقد يصنفها بعضنا تحت عنوان التشاؤم، بدلا من اعتبارها احتمالا كبيرا في إطار حساب المآلات وفق المعطيات الفعلية” ولكن بعد أقل من أسبوعين من ذلك اللقاء، وقع بالفعل ما سمعت التحذير من وقوعه، بل كان في الموقف الغادر أثر كبير في توجيه ضربة مباشرة لمسار الأحداث وتحوله تدريجيا في اتجاه آخر.
٠ ٠ ٠
بعضنا.. أو كثير منا لا يتعلم من الدروس التاريخية وإن كانت قريبة، وقد كنت أسمع من عصام العطار منذ الأيام الأولى لثورة ٢٠١١م الشعبية في سورية، ما يؤكد مدى الحاجة إلى قواسم مشتركة تجمع السوريين من وراء الانتماءات وتعدد وجهات النظر، ولطالما اقتران كلامه بالتحذير من عدم تحقيق ذلك في الوقت المناسب، والاستغراق في الاطمئنان إلى وعود براقة بالدعم.
وأعترف بأن كثيرا من ذلك بدا لي فيه شيء من التشاؤم، ولا أعرف عن أستاذي الجليل التشاؤم، ولكن أعرف أنه لم يكن على استعداد للحديث عن توقعات إيجابية مستقبلية محددة المعالم ما دام لا يرى في واقع من يتحركون في مسار الثورة ما يسمح باستشراف تلاقيهم فعلا على قواسم مشتركة في المستقبل المنظور، بينما تتلاقى ضد انتصار الثورة قوى عديدة، كثيرا ما تختلف وتتنازع في أمور أخرى.
لم يكن كلام عصام العطار ينفصل عما يعمل لتطبيقه فعلا، ومن هذا ضرورة التواصل والتلاقي بين السوريين في درب الثورة على قواسم مشتركة، ولا أستطيع أن أذكر مثالا واحدا على شخص ناشط في ارتباطه بالثورة، إلا وتحقق تواصل مباشر بينه وبين عصام العطار الذي كان على الدوام حريصا على بيان ما يراه من صواب أو خطأ، وما يدعو إليه أو يحذر منه.
٠ ٠ ٠
كما أسلفت، أزعم أنني استوعبت الدرس، ولكن أحسب أنني ككثير من أمثالي، نستوعب الدروس نظريا، ولا ننقل مقتضاها إلى واقع تطبيقي مباشر، لتتحقق الفائدة المشهودة على أرض الواقع، في الوقت المناسب. أم تُرى ما يزال بين أيدينا فرصة في مسار الثورة الشعبية التغييرية، لنتلاقى على مشروع يجسد القواسم المشتركة ليساهم على الأقل في اقتراب شعبنا وبلدنا من النصر، والنصر آت حتما، آجلا أو عاجلا، إنما قد ننجح آنذاك في تجنب مزيد من المعاناة، ومزيد من العقبات أمام جيل الثورة والتغيير.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب