دعاء المجيب

خواطر – بعد خطبة جمعة إيلول / سبتمبر ٢٠٠٨م

دعاء المجيب

**(يذكرني رمضان في كل عام بالشيخ رمضان ديب، *وكان المسؤول في مسجد أبي النور في دمشق، الذي ترددت عليه وحضرت فيه بعض دروس الشيخ أحمد كفتارو، وذلك  في آخر عامين قبل مغادرة دمشق إلى ألمانيا عام ١٩٦٥م، أما الآن يوم ٢٥ / ١٢ / ٢٠٢٥م فأثناء كتابة هذه السطور، مقدمة للموضوع الأصلي، ذكرتني رسالة من دمشق بالشيخ رمضان عقب وفاته رحمه الله عن عمر ناهز مائة وعشرة أعوام، وكنت في أول زيارتين لدمشق بعد تحرير سورية من الاستبداد قد حاولت اللقاء بالشيخ رمضان في داره في مجمع أبو النور ولم أتمكن من لقياه، فهو رغم تقدم السن كان يحافظ على درس أسبوعي يلقيه في المسجد، ولكن يمنعه عن ذلك وضعه الصحي أحيانا كما قيل لي. إنما ذكرتني وفاته بخواطر نشرتها مطلع أيلول / سبتمبر عام ٢٠٠٨م، وراجعتها الآن لأتأكد من بقائها صالحة للنشر). ***

خواطر

بتشجيع من الشيخ رمضان ألقيت أول خطبة جمعة لي قبل بلوغ ١٨ عاما من العمر، وكانت حول الآية الكريمة {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ  أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ  فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ‎﴿١٨٦﴾‏} – سورة البقرة – وركّزت على محاولة فهم الحكمة في ورودها ما بين آيات تتحدّث قبلها وبعدها عن الصيام وأحكامه؛ وفي حدود ما فهمت رأيت الحكمة متجلية في قيمة دعوة الصائم، فهي -كدعوة المظلوم- ليس بينها وبين الله حجاب.

بعد سنوات استخرجت أوراقي القديمة، وألقيت الخطبة نفسها في مصلى صغير أوجده بعض الطلبة المسلمين في مدينة بون بألمانيا حيث استقر بي المقام، فأتاني أحد الطلبة الزملاء بعد الصلاة، وكان يتابع دراسته الجامعية في قسم الاستشراق في جامعة بون، فذكر لي فيما ذكر، أن أستاذه المستشرق، كان حريصا على التأكيد أنّ ترتيب السور والآيات والمواضيع في القرآن الكريم عشوائي، ويستشهد على ذلك فيما يستشهد بآية الدعاء هذه بين آيات الصيام، وبما يشابهها، مثل آيات حول الصلاة {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} بعد مجموعة من الآيات في سورة البقرة تتحدث عن الطلاق ومسائل قريبة منه فقهيا، وقبل آيات أخرى تختم هذا الموضوع، وهو ما نرى فيه إشارة قرآنية إلى أهمية أداء الصلاة يوميا على وقتها وما يعنيه ذلك من توثيق علاقة العبد بربه كأمر ينبغي الاهتمام به لتكوين رقابة ذاتية في التعامل مع العلاقات العائلية والمشكلات الأسروية، أخلاقا وسلوكا.

مقصد الأستاذ المستشرق غير ذلك، وهو مثال على ما يلجأ إليه كثير من المستشرقين في محاولة إثبات فرضياتهم أنّ القرآن الكريم ليس كلام الله عز وجل، بل بشريّ من كلام محمد صلى الله عليه وسلم! ويختار المستشرقون من الآيات ما يظنون أنه يدعم لفرضياتهم وتصوراتهم؛ فيا حبذا أن نقرأ القرآن في رمضان وخارج رمضان مستوعبين للتكامل بين آياته وسوره، والتكامل بين أوامره ونواهيه، والتكامل بين جوانب الإيمان وجوانب العمل فيه، والتكامل بين ما يتناوله من شؤون الحياة الدنيا وغاية الفوز بالرضوان في الآخرة؟ إن فعلنا ذلك في رمضان وبعد رمضان، فنسأل الله أن يجيب دعاءنا ونحن ندعوه: اللهم اجعل القرآن الكريم نورا هاديا لنا ما أحييتنا وشفيعا لنا بين يديك.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب