تحية إلى تجمع الشباب المسلم في مدريد

ذاكرة إسلامية – بعد لقاء مع التجمع الشبابي في مدريد ٢٠٠٩م

تحية إلى تجمع الشباب المسلم في مدريد

ذاكرة إسلامية

تحية طيبة صادقة مباركة إليكم من القلب أيها الإخوة والأخوات، الشباب والشابات، المؤمنين والمؤمنات، العاملين الناشطين والعاملات الناشطات، في مدريد، في تجمع الشباب المسلم في مدريد.. تحية لكم حيثما كنتم، وأنى تحركتم، فلا أكتمكم أنني خلال السويعات التي قضيتها معكم، يومي السبت والأحد، ١٨و١٩ ربيع الأول ١٤٣٠هـ و١٤و١٥ آذار/ مارس ٢٠٠٩م، قد رأيت فيكم جيل المستقبل الذي أتمنى أن يتحقق على يديه الكثير، وأن يشق الدروب إلى ما تتطلعون إليه، من حياة كريمة، قائمة على الأخوة الصادقة والتعاون، والإيمان العميق والعمل، والنشاط الدائب والإخلاص، والمعرفة الثاقبة والوعي، والإبداع المتجدد والتضحية، والانفتاح على المجتمع من حولكم، والرؤية الشاملة لمصلحتكم ومصلحة البلد الذي تعيشون فيه، فلا يغلب جانب على آخر، ولا يغيب المهم عبر انشغالكم في الأهم، ولا يجد التعصب إليكم سبيلا، ولا التشدد بينكم مكانا، ولا التسييب لديكم موضعا.

بوركتم وبورك عملكم الكبير، وبوركت الثمرات التي بدأتم بقطفها، لتؤكد أن جهدكم وعناءكم وسهركم ودأبكم لم يكن يوما دون جدوى، وأن من رأى الطريق فسار عليها حقق المراد، إن عظمت الأهداف ارتفع نحوها عطاء وبذلا، وإن اعترضته العقبات تجاوزها ثباتا وصبرا، وإن أغرته المغريات قهرها استعلاء وصدقا.. وكأنني أراكم في ذلك اليوم الذي بدأتم فيه مسيرتكم المباركة، يوم كان أهل مدريد يئنون من جراحاتهم ما بين شوارعها، ودماء الضحايا على سكك محطة القطارات فيها، يوم تفجيرات الحادي عشر من آذار/ مارس قبل خمس سنوات، آنذاك عندما انطلقت مجموعة منكم تحمل على وجوهها نضارة الشباب مع الألم، وفي عيونها نظرات الفزع من الحدث، ترفعون اللافتات في وجه الغضب المتفجر في أعماق نفوس أهل مدريد، فتعلنون أن إسلامنا الذي ندين به دين العدالة والمحبة، دين الإنسان والإنسانية، دين العزة والسماحة، دين الكبرياء والرفق، دين يأبى العنف وإراقة الدماء، والتعصب واغتيال الوفاء.. كنتم القلة القليلة التي واجهت طوفانَ الغضب بعبير الزهور، وأمواجَ الآلام بحنين البلسم على الجراح، ومراجلَ النقمة بصدق المشاعر في الوجوه، وصمتَ الموت الرهيب بلحن الحياة من جديد.

أتخيل وأَعجب ثم يتملكني الإعجاب، كيف انطلقت تلك المجموعة الصغيرة من الفتيات المحجبات والشبيبة المسلمة، آنذاك قبل خمس سنوات، في ذلك الخضم المتلاطم، في لحظة الغضب الجارف، تتحدى كل ما يوجب الخوف والفزع، ويغري بالتخفي والانعزال، ويستدعي الحيطة والحذر، وما كان لديكم تنظيم يقودكم، ولا مخطط يحرككم، بل هي عفوية الإيمان الصادقة، وبراءة الشبيبة المتدفقة، فإذا بشمعة الجرأة التي أوقدتموها تتحول إلى شعلة في بلد كاد يغرق في أصفاد الحقد وظلمة الثأر، وتخرج بالمسلمين فيه وبأهله من نفق خطير، جدّ خطير.. وتعلن على الملأ سقوط مقولات كانت تنتظر الفرصة السانحة لتجعل من صورة الإسلام والمسلمين صورة نار تحرق يجب إخمادها، وإجرام منفلت يجب تصفيده، وكم ذا صُنع وما يزال يصنع من إجرام وإجرام مضاد عبر شعار خطير علني: إما أن تكونوا معنا أو أنكم مع الإرهاب، فإذا بكم في مدريد تعلنونها بوجودكم وبتحرككم أننا ندور مع العدالة حيث تدور، ومع الحق حيث ينبلج فجره، ونرفض الظلم أيا كان مصدره، والعدوان سيان من يمارسه، والإجرام مهما ترهبن مرتكبه!..

أتخيل وأَعجب ثم يتملكني الإعجاب، كيف مضيتم تجمعون من أطفال المسلمين في مدريد ما خطته أيديهم الصغيرة من عبارات، ورسمته براءة الطفولة من صور، يعبرون فيها عن أحاسيسهم ومشاعرهم وأفكارهم، على وريقات صغيرة، بكلمات حافلة بالأخطاء الإملائية وبأصدق صور البلاغة الإنشائية، وألوان تختلط فيها حمرة النيران من التفجيرات بإشعاعات كلمات السلام والمحبة، والألم والحرقة، والحزن والأمل.. وجميعها ينطق بكلمة واحدة: لا، لا للعنف والقتل والإرهاب.. لا.. نحن نريد السلام.

كنت أتابعكم عن بعد فيتملكني الإعجاب بما تصنعون، وألتقي ببعضكم خارج مدريد فأزداد إعجابا وتقديرا، وأسمع عن ذلك الكتاب -كتاب: نريد السلام، الذي جمعتم فيه عبارات الأطفال ورسوماتهم ووزعتموه في مدريد حيثما استطعتم بإمكاناتكم المحدودة فأقدّر أنه عمل أعظم ما فيه الصدق الكامن في الجهود المبذولة، فأوقن أنه سيحقق الهدف المنشود.. وجئتكم في مدريد شاكرا دعوتكم فرأيت رأي العين كيف تحقق الغرض، فأخذ عملكم هذا مكانه في حياة أهل مدريد وإسبانيا، فكان قرار بعض المسؤولين بطباعته وتوسيع نطاق توزيعه شهادة لكم على ما كان له من مفعول كبير، وأثر عميق، ولا أشك أنه سيكون له المزيد من المفعول والأثر في قادم الأيام!..

إلا أنني -أيها الإخوة والأخوات من جيل المستقبل- لا أكتمكم أنني كنت أشد تقديرا وإعجابا بما صنع عملكم المشترك بكم أنتم، ولقد استمعت إلى كلمات بعضكم، ولمست فيها من المعرفة والوعي والصدق والإخلاص والعزيمة والإبداع، ما يتجاوز كثيرا مدلولاتِ تعبير العصف الفكري، الذي ابتكرته لوصف المقصود بهذا اللقاء الأخت الكبيرة والأستاذة المربية القديرة والكاتبة الأديبة المبدعة المعروفة نوال السباعي حفظها الله وجزاها كل خير على ما بذلت وتبذل من جهود، فلا أدري هل أهنئكم بوجودها معكم أم أهنئها برؤيتها إياكم ماضين على هذا الدرب العتيد.

كأني بكم خلية من النحل تلتقطون في شتاء عاصف رحيق القليل القليل مما تبحثون عنه من الزهور فتعطون منه الكثير الكثير من الشهد لكل من يرغب دون تمييز.

كأني بكم في هذه الأيام المظلمات تحت دخان داكن تفرزه حروب العدوان الإجرامي وحملات الافتراء الظالم توقدون شمعة وتقولون إننا في حاجة إلى النور يمحو داكن الظلمات، ويجمع الصادقين من وراء الأسوار والجدران على طريق واحدة، يستعيد ابن آدم فيها تكريم الله تعالى له، كما شاء، دون تمييز، وتفتح بين يديه أبواب الهداية والرحمة والخير ليغترف من معينها ما يشاء، دون تمييز، ليحق الحق ويزهق الباطل، ويسود العدل رغم الظلم والظالمين، ويتحرر الإنسان من مختلف أشكال العدوان والاستبداد والاستغلال والانحراف عن إنسانية الإنسان.

قد رأيتكم أيها الإخوة والأخوات من تجمع الشباب المسلم في مدريد فرأيت فيكم بذور الخير بإذن الله، ونبعة الإحسان الذي نفتقر إليه أشد افتقار، وعزيمة الشبيبة الصادقة العاملة المخلصة تجدد في حياتنا ما افتقدناه منذ زمن بعيد، ولئن قلبتم صفحات التاريخ على مر العصور لوجدتم على الدوام أن البداية كانت بقلة قليلة، تخطو الخطوة الأولى على الطريق الصحيح، فلا بد أن تصل إلى الغاية الشماء رغم الصعوبات والعراقيل والعقبات، وقد تغري السبل المتشعبة بعض من يسير معها في بداية الطريق فإن ثبتت لا يضيرها ضعف من يضعف ووهن من يهن، ولا يوقفها اجتهاد من يجتهد فيختلف معها أو ينأى عنها.

وإياكم ثم إياكم أيها الإخوة والأخوات من الانزلاق في حمأة الرد على أي إساءة بإساءة مثلها، فسرّ نجاحكم الكبير هو أنكم رددتم على العنف والعنف المضاد بروح السلام والتسامح تكسرون به حلقة شيطانية مفرغة، وما أخطر الانزلاق والوقوع في ألف حلقة مفرغة وحلقة مما تصنعه الإساءات عن قصد أو دون قصد.

ولستم وحدكم أيها الأحبة في أعماق القلب، بل لكم إخوة وأخوات في مثل أعماركم، يتحركون هنا وهناك من أرجاء المعمورة، قد ندري ببعضهم ولا ندري ببعضهم الآخر، ولهم من العطاءات ما يتلاقى مع عطائكم، وستكونون وإياهم بإذن الله روافد تلتقي في نهر الحياة نحو كل ما كرّم به رب العزة هذه الحياة لمن يحياها كما أراد.

إن آمنتم بالله ربا عزيزا، فالله معكم حيث تمضون، وإن تمسكتم بنهجكم القويم ثباتا وصبرا فالله معينكم فيما تصنعون، وإن تابعتم خطى العطاء والإبداع ولم تنشغلوا عنها بصغائر الأمور وعقبات الطريق وتفاهات الخلاف والشقاق ارتفعتم إلى العلياء درجة بعد درجة.

كونوا مع الله يكن معكم، واصدقوه يؤتكم ما وعدكم، واتخذوا من الإحسان حصنا فهو ما يقيكم من كل إساءة إليكم، واجعلوا من تعاونكم في البر والتقوى حبلا متينا يسدد خطاكم.

وأسألكم العذر إن لم تجدوا في هذه الكلمات إلا الأقل من القليل مما يكافئ ما وجدت لديكم من كريم الخصال والأفعال، والأقل من القليل من الامتنان العميق إزاء ما عززتم في أعمق الأعماق من أمل بالمستقبل المشرق المنشود العزيز الكريم، وكم عبرت عن اليقين بأن هذا الأمل الكبير الجليل مرتبط بجيل المستقبل، ورأيتكم فرأيت فيكم الدليل والبرهان، ووجدت فيكم تجسيد ما تعجز عن وصفه كلمات معدودات، فلا أملك إلا الدعاء أن تجدوا على هذا الدرب نورا على نور، يصحبكم من بين أيديكم ومن خلفكم وعن يمينكم وشمالكم، تهتدون به وتهدون، لتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة، ويفوز معكم من يسير على دربكم بإذن الله جل وعلا.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب