خواطر
شر البلية ما يضحك، ولا نستطيع الضحك، ولا مجرد الابتسام، فمشاهد إراقة الدماء ودوس الكرامات وإذلال أصحاب الهامات الحرة الأبية تنتزع دموع الألم من قلب الصخور.
ولكن ماذا نصنع مع عنوان يقول: (اتحاد الجيوش العربية الإلكترونية وهجومها المرتقب).
للوهلة الأولى نحسب أن قادة الجيوش العربية الجرارة قرّروا أخيرا أن يستعدّوا لخوض غمار حروب شبكية، أطلقتها وزارات الدفاع في دول معادية، تريد أن تبسط هيمنتها العدوانية، حتى على العالم الافتراضي، وتريد أن تسخّر أحدث ما وصلت إليه التقنيات الشبكية لتستهدف المنشآت الاقتصادية، وتشلّ تقنيات قواته المسلحة الوطنية، وتزيد من تفوقها العسكري الذي تفرض من خلاله الباطل بمختلف أشكاله والوانه وطرق إخراجه.
كلا.. في ثنايا الخبر كلمات تكشف عن معركة حطين جديدة، في رؤوس مقلوبة، كلمات تقول:
(بعد الهجمة النوعية للإخوة العرب بشكل عام والسوريين والجزائريين بشكل خاص ضد العمالة الإعلامية للصهاينة المتمثلة في قناة الجزيرة والعربية الداعمتين للمشروع الأمريكي الصهيوني العربي، قرر اتحاد العرب المناهضين للمشاريع الاستعمارية في المنطقة توحيد هجومهم على العملاء وبائعي الدم العربي في الأسواق الإسرائيلية والغربية بأرخص الأثمان).
لا يذهبنّ بكم الخيال بعيدا.. فمعركة حطين الشبكية هذه لا تستهدف تحرير الجولان، ولا شلّ العقول الإلكترونية لدى غاصبي القدس والساحل والداخل من أرض كنعان والعدنان وقحطان..
لا يذهبنّ بكم الخيال بعيدا.. فالعدوّ الذي تستعد تلك الجيوش له يشمل فيمن يشمل شاشات الفضائيات الإخبارية فقد أصبحت تلك الفضائيات مستهدفة، من جانب من كانوا يشاركون هم من قبل في حواراتها الساخنة، في اتجاهاتهم المعاكسة، كلما سنحت الفرصة لهم للكلام، وهم كسواهم ممنوعون من الكلام.. عادة، ولكن انقلبوا الآن عليها، بل (أقسموا أن يذيقوا هذه القنوات درساً لن ينسوه..) كما يقولون، ومحور الهجوم التاريخي الكبير -وفق ما يقولون- هو نصرة سورية (وقضيتها العادلة في وجه الهجمة الشرسة التي تواجهها من قنوات الفتنة وعلى جميع الأصعدة) أي:
على صعيد قتل الأطفال.. من أمثال حمزة وأقرانه..
على صعيد اغتيال حنجرة القاشوش وأصابع فرزات..
على صعيد هجمة الدبابات والمدفعية والحوّامات والشبيحة، على الأحياء السكنية في درعا وحماة وحمص واللاذقية وتلكلخ وجسر الشغور وتلبيسة.. والحبل على الجرار!
يبدو أن الأبطال الأشاوس في الجيوش العربية الإلكترونية وأبطال الكلمة بالإشادة بها وبإنجازاتها، يدركون أن تلك الدبابات والمدفعية والحوامات والشبيحة وأن تلك الاغتيالات والاعتقالات وحفلات الإهانة في الشوارع وحفلات التعذيب في الأقبية.. جميعها لا يكفي لكسر إرادة شعب أبيّ ثائر، ولا لتكسير الأيدي التي تحمل الجوالات المتخفية وآلات التصوير الدامية فتتغلّب بها على وسائل الإعلام الرسمية ومراسيم حظر الرؤية المباشرة من جانب عيون الإعلام الخارجي.. إذن لا بد من حشد جيوش شبيحة الشبكة العنكبوتية لنصرة الحاكم المسكين، وأجهزته القمعية، وميليشياته الإجرامية في سورية.
كلا، الأمر لا يثير الضحك بل يثير الإحساس بالاحتقار فقط!
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب