الشارع

خواطر – مع رحيل عام ٢٠٠٦م

الشارع

خواطر

في كثير من البلدان ذات الأنظمة الاستبدادية ينتشر الحديث عن الشارع وصوت الشارع باستخفاف واستنكار، يكشفان الإصرار على صناعة القرار بمعزل عن الإرادة الشعبية، التي تجد في المظاهرات والاحتجاجات في الشارع وسيلة لا يتوافر سواها للعامة، وقد تولد المقاومة من رحمها. بالمقابل بدأ ينتشر الأخذ بميزان (الشارع هو الحَكَم) مع مزاعم تمثيل الإرادة الشعبية في السلطة. ويكشف ذلك عن عدة أمور:

١- أصبح حجم القمع الذي يمارسه المستبد، شاهدا على أنّ النسبة التي تخاطر بالتعرّض له تنبثق عن نسبة شعبية أعلى عددا بكثير من مجموع المعترضين علنا.

٢- بقدر ما يتوافر من الانضباط لممارسي الاحتجاج تهبط نسبة من يتسللون لتشويه صورة الشارع ويرتفع مستوى الوعي الشعبي العام، وبالتالي ترتفع قيمة المطالب المطروحة.

٣- يتحول المشاركون في الاحتجاجات علنا إلى ظاهرة مؤثرة، كمّا ونوعا، مع ارتفاع العدد ومع تعدد الانتماءات، وهذا ما يصنع فعالية الإرادة الشعبية المشتركة.

٠  ٠  ٠

توجد مع رحيل عام ٢٠٠٦م أمثلة من المنطقة العربية والإسلامية على انتشار الاستناد إلى تحكيم الشارع، إما عندما يستقوي به المحتجون أو حتى عندما يلجأ المستبدون إليه كذريعة مزورة. وفي الحالتين ترتفع مكانة الإرادة الشعبية كمصدر لكسب المشروعية المحلية بمرجعيتها الشعبية. وهذا ما يفترض تثبيته دستوريا وتوظيفه في صناعة الأرضية الجماعية المشتركة على دعائم المصلحة الوطنية العليا، وهذا مع التعايش الوطني على نقاط الالتقاء والافتراق بين المكونات الوطنية بغض النظر عن مدى تقاطعها مع سياسات إقليمية ودولية أو عدم تقاطعها معها.

٠  ٠  ٠

إن مقولة الشعب مصدر السلطات تأخذ مكانها في نظريات دعاة الديمقراطية الغربية، وأصبحت أيضا جزءا من الأطروحات الإسلامية عقديا وحضاريا بصدد مرجعية السلطات. ولكن المشكلة الحقيقية ليست في البُعد الدستوري ولا العقد الاجتماعي، فالنصوص جاهزة واقعيا، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في لعبة موازين القوى، أي في المعادلة بين صناعة القرار وصناعة الواقع. ويعني ذلك عدم الاكتفاء بالتركيز على الاستقواء بالشارع من خلال جدل أصبح سفسطائيا على كل حال، بل ينبغي التركيز أيضا على واقع ما يتحقق من قيمة مستدامة وفعالية لمرجعية الشارع الشعبية.

لا ينفي ذلك أهمية مواصلة العمل على التغيير من منطلق الإرادة الشعبية مع صناعة الأرضية الشعبية المشتركة بما يكفي لمواجهة لعبة موازين القوى، إقليميا ودوليا، وتحقيق هدف تحكيم الإرادة الشعبية في صناعة القرار وصناعة الواقع على السواء. ولا غنى في ذلك عن انطلاق مشروع التغيير من الوعي الشعبي، ومن المصلحة الوطنية العليا. وهنا لم تستوعب السياسات الأجنبية أنّ دعمها العلني لطرف ما يرتبط بها يعني خسارته المحتمة في معركة كسب تأييد الإرادة الشعبية، فالدعم الأجنبي المعلن يوصل إلى نقيض ما تريد القوى الأجنبية.

في جولات ماضية كانت خسارة الطرف المعادي وركائزه المحلية خسارة مؤقتة، وبدأنا نشهد جولاتٍ تغيّر جذور المعادلة تغييرا لا يمكن تجاوز نتائجه ولا تعويضها بسواها. وأصبحت الجولات الماضية تستهلك ما أفرزته الهيمنة الأجنبية من نتائج، وبدأ يتصاعد التأثير على جوهر الهيمنة وبنيتها الهيكلية.

ومن تأثير ذلك بالمقابل أن الطرف المعادي سيستميت في المواجهة لتجنب وقوع نتيجة حاسمة على حسابه، ولكن مسيرة تغيير الواقع الموروث عن الانهيار، مضت في الاتّجاه الصحيح في هذه الأثناء، وستصل إلى غايتها رغم الشدائد والنكسات المحتملة، أما سرعةُ الوصول إلى نتائج مستقرّة، فمرتبطة بمقدار ما يزداد الوعي الشعبي الذي يحتضن المسيرة، اتّساعا وعمقا، وبما يجده من النخب والقيادات ليوظّف معطياته توظيفا قويما هادفا. إنّ الخلل في واقع موازين القوى، في حقبة انتشار روح التيئيس والانكفاء والانهزامية على مختلف الأصعدة، لا يحول دون صناعة أحداث التاريخ على دعامة مستدامة لقوة الإرادة الشعبية.

ويظهر تدريجيا للعيان أن ما يجري من تطورات يفاجئ القوى المعادية، التي كانت تبني على ما سبق من جهود عدة عقود لحصار الشعوب وكبتها وشَغلها، بحملات غسيل دماغ جماعي واسعة النطاق، إضافة إلى توظيف عناصر الفقر والترف وألوان الإباحية والتيئيس للغاية نفسها.

هنا يمكن القول إنّ التغيير قادم لا محالة، وسيشمل صناعة القرار وصناعة الواقع، وسيفرض نفسه إقليميا وعلى مستوى التعامل الدولي مع المنطقة وقضاياها، آجلا أو عاجلا.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب