مصر – الثورة والإعلام الغربي

ذاكرة – بدايات تغيير في الأداء الإعلامي في الغرب

مصر – الثورة والإعلام الغربي

**ذاكرة **

من موقعي البعيد عنكم جغرافيا، القريب منكم وجدانا وقلبا وقالبا أصدقكم القول يا شباب ثورة مصر وفتياتها، لقد امتدت آثار ثورتكم إلى أعماق الإعلام الغربي وأحدثت فيه بدايات تغيير لا يستهان بأبعاده. صمودكم صنع التغيير، في مصر، في عالمنا العربي والإسلامي، وفي العالم الغربي أيضا، ولا سيما في حصن من أرسخ حصونه لتشويه واقع العرب والمسلمين ومستقبلهم حتى الآن.

من ذلك مثلا ما نشرته فضائية الجزيرة عن التغيير الذي شهدته وسائل الإعلام الأمريكية في الأسبوع الثاني من ثورتكم النقية الحضارية، ولئن عادت المناورات والمؤامرات والمواقف المعادية في المستقبل، فمن المستحيل بعد اليوم أن يركن صانعوها إلى أنّ الموات يسود في الشعوب العربية والإسلامية كما روّجوا لذلك طويلا، وأن حياة اللهو والضياع سيطرت على جيل المستقبل بشبابه وفتياته فيمكن الاعتماد عليهم –كما يظنون- لاستمرارية أنظمة فاسدة مستبدة يعتمدون عليها.

لقد صدّقوا أنفسهم طويلا ففوجئوا بأنكم أنتم من تصنعون التغيير؛ لا أحدثكم حديث عاطفة وجدانية، وإن تدفقت المشاعر في كل وجدان أحييتموه، وقلب ينبض بحبكم ونصرتكم، بل أحدّثكم حديث المتابعة المهنية والرؤية المباشرة لما يجري حولكم، بفضل وعيكم وصمودكم في ثورتكم.

إن ما أنجزتموه وتنجزونه في أيام يفوق ما أنجزه سواكم خلال أجيال؛ وقد عايشتُ بعض ذلك تحت عنوان التغطية مستمرة؛ وهي الأسلوب الإعلامي الجديد من ابتكار فضائية الجزيرة ومع انطلاق ثورة مصر نقلته لأول مرة فضائية ألمانية، فمارسته يوما بيوم، وساعة بساعة، عبر التقارير والحوارات واللقطات المباشرة والمقارنة بين ما تنشره الفضائيات الاخرى. ولم يحدث مثل ذلك حتى في متابعة سقوط جدار برلين، الذي اعتبر بداية جديدة لتغيير خارطة أوروبا والعالم.

وتحمل الفضائية الإخبارية الرصينة اسم phoenix  وهي من تأسيس القناتين الأولى والثانية في ألمانيا، وتستهدف الوصول إلى أكثر من ١٢٠ مليون نسمة من الناطقين بالألمانية في أوروبا وخارج حدودها.

لا مبالغة إذن في القول إن ثورة مصر وصلت بتأثيرها إلى أعماق وسائل الإعلام الغربية ومعها مواقف الساسة والمفكرين والإعلاميين وهو ما يشهد عليه كاتب هذه السطور من خلال المشاركة اليومية لأسبوعين تقريبا في تلك التغطية المستمرة وفي الحوارات المباشرة أثناءها، وعلى هامشها مع ضيوف البرامج الحوارية، من المتخصصين في شؤون الإسلام والمنطقة العربية والإعلام، مثل مارسيل بوت، وبروفيسور فيرنر روف، وميشائيل لودرس وسواهم؛ هذا فضلا عن متابعة فضائيات أخرى متابعة يومية، تكشف منذ يوم جمعة الغضب الأولى، إذ لم تعد توجد صحيفة أو مجلة إلا واتخذ حدث الثورة فيها مكان الصدارة، مع غياب نسبة كبيرة ممّا كان من قبل من ألوان التحامل المقصود حينا أو نتيجة الجهل بحقيقة جيل الثورة في بلادنا حينا آخر.

قد تصلح صحيفة دي تسايت الأسبوعية كمثال، وفيها يشغل المستشار الألماني الأسبق هلموت شميدت، موقع رئيس تحرير فيها، وهو القائل في أحد كتبه: (إن الشعوب الإسلامية لا يمكن حكمها بالديمقراطية بل يجب أن تكون أنظمة الحكم شمولية) ولكن تحت تأثير الثورة الشعبية في مصر بعد تونس، تصدر صحيفة دي تسايت يوم الجمعة ٤ / ٢ / ٢٠١١م بعنوان كبير يقول: (إن المنطقة العربية تقف منتصبة على قدميها) وهو عنوان ذو مغزى فالإعلام الغربي منشغل بالسؤال: من بعد مصر؟ إذ يعلمون –مثلما نعلم- أن شعلة التغيير تتواصل في بلد بعد بلد على امتداد العالم العربي والإسلامي، وفي ميدان بعد ميدان من ساحات تعامل العالم والقوى العالمية فيه مع العرب والمسلمين؛ فبوركتم أيها الثوار الأحبة ونصركم الله ونصر الأمة بكم.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب