ذاكرة
لا أحب في الأصل أسلوب الكتابة تحت عنوان: يوميات أو مذكرات وما شابهها، فجميع ذلك يدور حول كلمة (أنا) وكثيرا ما تجنبتها في معظم ما خطه القلم منذ السبعينات من القرن الميلادي العشرين. ولا يتناقض ذلك مع ما نعلمه عموما عن أن يوميات المشاهير مصدر من مصادر العلم والمعرفة لكثير من خلفيات الأحداث وصناعتها، إنما الشرط الموضوعي لذلك هو أن يتمكن من يطلع عليها من الفصل بين مفعول كلمة (أنا) وبين واقع الأحداث الوارد ذكرها.
هذه السطور حررت عام ٢٠١٣م حول ما أقدر تأريخه بأوائل الستينات من القرن الميلادي العشرين، وهي مقدمة حلقات أنشرها تحت عنوان مخابرات بأسلوب ذكريات، لاعتقادي بأننا نعايش تحولا مفصليا باتجاه مجتمع حضاري وأمة كريمة، بعد انتشار الاستبداد والفساد وكانت ركيزتهما ما يسمى الجانب الأمني، وبئس التسمية، فهو جانب التخويف والقمع والترويع والإهانة والإذلال والإجرام، من أجل تأمين معادلة التبعية والهيمنة محليا ودوليا.
ليست لي تجربة مباشرة مع أي جهاز مخابرات إذا اعتبرنا التجربة تشمل الاعتقال العشوائي والتعذيب الهمجي، ولهذا أكتب على استحياء ممن أصيبوا بذلك البلاء، فلن تتضمن الحلقات التالية ما كان من نقاط تماسّ عابرة، ولكنها معبرة عن طبيعة أجهزة المخابرات، ومن يعملون بها تحت مظلتي الاستبداد محليا والهيمنة دوليا.
٠ ٠ ٠
أول مشاهد التماس مع المخابرات وممارساتها، كان شاهدَ العيان عليها طفلٌ لم يستوعب أصلا ما تعنيه كلمة مخابرات ضمن هيكل حكم عسكري حزبي استبدادي، وكان لأبيه متجر في ساحة عرنوس بدمشق، وكثيرا ما دعا ابنه ليكون معه في المتجر، ربما ليخفف العبء عن أمه وإخوته في البيت. وظهر في المتجر ذات يوم زبون، ما زالت صورته في الذاكرة بعد عقود صورة رجل فظ، كريه، سيّئ الخلق والسلوك، اختلف مع الأب صاحب المتجر على ثمن سلعة ما، فتطاول عليه بالكلام بألفاظ دنيئة، وهدده رافعا في وجهه سبابته الغليظة، حتى خفت صوت الأب وهو يحاول تهدئة الزبون بلطف ويوفر عن ابنه أثرا نفسيا مهينا، ولكن الزبون إن صح التعبير لم يهدأ وينصرف إلا مع الشتائم المتدفقة مع الزبد بين شدقيه. وتحول المشهد إلى عقدة نفسية في أعماق الطفل، لا يتحدث عنها لأقرب الناس إليه، ولم يخطر له أن الرجل الفظ كان من المخابرات إلا بعد نضوج وعيه السياسي، أما الأب فما كان ليتحدث مع ابنه عما تلقّى من إهانات، وعلام عجز عن الجواب عليها. ولكن بقي السؤال في الذاكرة: علام لم يرد الإهانة؟ هل خشي على نفسه أم على ابنه بجواره، وهل هذه حاله وحده أم هذا حال كثير من المواطنين في بلاد الكرامة والعزة والعلم والعلماء والأعلام والأخلاق والقيم والحضارة والفتوحات والتاريخ العريق؟ وأبعد من ذلك: ترى لو ثار القادرون على التحرك آنذاك، أي في وقت مبكر لنشأة الاستبداد المحلي، هل كانت تلك المخلوقات الهمجية، ستصل إلى انتشار جرائمها على حساب كرامة الإنسان إلى ما وصلت إليه بحق الكبار والصغار من أبناء شعب، لا بد أن يثور يوما ما ولا بد أن ينتصر بعون الله.
وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب.