جيل المستقبل في مصر وأخواتها

ثورات – بين صناعة المستقبل وأعباء الماضي

جيل المستقبل في مصر وأخواتها

ثورات

مع ظهور عنصر الإسلام في الثورات الشعبية، ظهر من يبدي استعدادا للقبول بوضع عسكري استبدادي تحت عنوان الحرب ضد ما سموه الإسلام السياسي، وهي تسمية اخترعت في الغرب ونقلها المتغربون، وأصبحت وسيلة للتغطية على حقيقة الحرب ضد الإسلام نفسه.

في مصر اقترن ذلك باتهامات موجهة إلى الإخوان المسلمين؛ ومن المفيد هنا التنويه إلى أنني أقدّر كل من يعمل للإسلام، ومنهم الإخوان المسلمون، إنما لم أكن يوما منهم، ولم أشترك معهم في مشروع سياسي أو إعلامي ما، وقد كتبت عنهم كسواهم مشيدا بما بدا لي حقا وصوابا ومنتقدا ما يبدو لي فيه شائبة من الشوائب.

ولكن ليس فيما تتهم به الجماعة في مصر ما يسوّغ التعامل العسكري الاستبدادي معهم وتعميم ذلك على شعب مصر عموما وسواه.

ويلفت النظر أن من يكتب عن مصر يجد تفاعلا بأسماء وهمية في منصات التواصل الاجتماعي، وهو تفاعل لا يخلو من عنصرين، أولهما أسلوب الاتهامات والشتائم، وثانيهما نشر النزعة القطرية بدعوى المصلحة الوطنية، على حساب الروابط القومية والدينية والثقافية الحضارية.

٠   ٠   ٠

إن كاتب هذه السطور ينتمي إلى جيل وقع بعض أفراده وتنظيماته في أخطاء شنيعة، منها تضييع أدب الاختلاف والغفلة عن قواعد التعامل البينيّ؛ فكان هذا من أسباب العجز عن الإنجاز في ميادين عديدة، بدءا بالفن والأدب، انتهاء بالسياسة والاقتصاد والأمن الخارجي والداخلي؛ ولهذا أدعوكم **يا شباب جيل التغيير، إلى تجنب تكرار أخطائنا، فمستقبل أولادكم وأحفادكم لن يكون آنذاك أفضل حالا من أوضاعكم التي تشتكون منها الآن. **

ولئن كان التركيز على استهداف المنطلق الإسلامي، فقد تعرضت المنطلقات الأخرى للاستهداف أيضا، ومن ذلك قبل سنوات ظهور موجة من الكتابات -لم تكن الأولى من نوعها- تتحدث عن موت العروبة، واعتبار الوحدة العربية حلما غير قابل للتحقيق، بعد اعتبار الوحدة الإسلامية وهما من الأوهام، ويبدو أن هذه الموجة مع ما سبقها ولحق بها، أوصلت في هذه الأثناء إلى استهداف المنطلق القطري أيضا.

ما أخطر الوهم الذي يزعم أن ما يحدث في بلد ما لا شأن له بما يحدث في بلد آخر وقضاياه، فهذا في مقدمة ما يرسخ التجزئة والضعف ويرسخ الفقر والتخلف والانهيار.

لقد استمرت الحروب بين البلدان الأوروبية -كحرب المائة عام أو حرب الثلاثين عاما مثلا آخر- وهكذا على امتداد ألفين وخمسمائة سنة، ولكنها أصبحت تسعى للتعاون والتخلص من عداواتها المتبادلة، **لأن عصرنا هذا يموت فيه من ينفرد بالتحرك وحده. **

لئن عمل الاستعمار على نشر التجزئة في بلادنا، فإن الأنظمة الاستبدادية تولت حمايتها وترسيخها، كما ظهرت اتجاهات قومية عربية وعجمية واتجاهات علمانية وإسلامية، أصبحت بدورها من أسباب التجزئة والتشبث بها والتأثير على جيل المستقبل في هذا الاتجاه.

إن قيادات تلك الاتجاهات فكرا وسياسات تطبيقية مسؤولة عن أوضاعنا الراهنة والمستقبلية، وهي قيادات تنتمي غالبيتها إلى جيل كاتب هذه السطور، ولادة ونشأة وفكرا وسلوكا؛ فيا جيل المستقبل في مصر وأخواتها أنتم مسؤولون عن أنفسكم وأولادكم وأحفادكم؛ لا تصنعوا مستقبلكم كما صنعنا نحن مرتكزات حاضركم الذي تعانون من جميع ما فيه.

هذه كلمات موجهة إلى جيل المستقبل، وقد صدرت عن القلب، وعن استيعاب دروس تاريخية، ومعايشة تطورات معاصرة، وهي أيضا موجهة لمن بلغ من العمر ما بلغ، وبقي -إلا من رحم ربي- متشبثا بعقلية عتيقة، وأساليب قديمة، فلم يتعلم من الماضي، إلا قليلا، ولا يريد أن يدع لجيل المستقبل سلوك سبيل آخر.

لا بد من تغيير هذه الطريق تغييرا جذريا، وحري بنا أن نغادر الحياة الدنيا دون أن نضيف إليها مزيدا من أسباب التخلف والعجز والقهر، والأحرى أن نساهم في البقية الباقية من أعمارنا -وهي قليل- في التعويض عن بعض ما لم نصنعه طوال عقود، أو أن نمتنع على الأقل من دفع جيل المستقبل إلى أن يعيش بعقلية الماضي وأخلاقيات الماضي، وسلوكيات الماضي، فيعجز آنذاك عن صناعة مستقبل مشرق آخر.

هي كلمات من القلب يرجو قائلها أن تصل إلى القلوب والعقول، فتنفع من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب