أين أنت يا أخي؟

ومضة – نشرت ٢١ / ٩ / ١٩٩٩م في إسلام أون لاين

أين أنت يا أخي؟

ومضة

أخاكَ أخاكَ إنّ مَنْ لا أخاً لَهُ  – – – كَساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرِ سِلاحِ

هذا واحد من الأبيات التي تجمع بين قوة المبنى وجزالة المعنى، وقد سرت مسرى الأمثال، واستشهد بها الخطباء والكتّاب، جيلا بعد جيل؛ ولا تعرف سوى قلّة متمكّنة من ذوي الباع في الشعر العربي أصحاب هذه الأبيات رغم ذيوعها على الألسنة؛ جمعها الأديب العلامة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، في كتيب بعنوان (من شوارد الشواهد) ونسب كلا منها إلى قائله، وذكر غالبا مناسبته. وهذه ومضة انطلقت في ظلال كلماته مع ما فيها من معاني الحكمة ورقيّ التعبير الأدبي

٠  ٠  ٠

لم تعد الغربة في زماننا هذه غربة الأجساد عن الأوطان فحسب، وما أصعبها من غربة، بل زاد عليها أن يكون المرء في غربة وهو يعيش بين أصدقائه وإخوانه، بل ربّما في القلب من دائرة أقربائه وأفراد أسرته!

ولم تعد الغربة في زماننا هذه غربة  بين الأفراد فحسب -ولا يستهان بها- إنما أصبح من الشعوب من يتعرّض نتيجة الطلاق بين السياسة والأخلاق، للعيش في غربة وهي تحرمه من التواصل مع جيرانه، أو من مواكبة عالمه وعصره!..

وفي مثل تلك الغربة الشديدة للأفراد والشعوب تبدو قيمة الأخوّة، التي يهيب بك أن ترعاها بيتُ شعر يقول:

أخاكَ أخاكَ إنّ مَنْ لا أخاً لَهُ  – – – كَساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرِ سِلاحِ

هذا البيت الشاهد بمعناه على معنى كريم، الشارد في أذهان الناس عن قائله وهم يستشهدون به، أورده الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه (من شوارد الشواهد) ناسبا إياه للشاعر ربيعة بن عامر بن أنيف المعروف باسم مسكين الدارمي، والبيت من قصيدة يقول فيها أيضا:

**وَإنّ ابْنَ عَمّ المَرْءِ -فَاعْلَمْ- جَناحُهُ – – – **وَهَلْ يَنْهَضُ البازي بِغَيْرِ جَناح

وكم ذا نفتقد في واقع حياتنا المعاصرة رابطة الأخوّة، وكم ذا نقصّر في رعايتها، في الأوقات الاعتيادية، ونحن لا نواجه خطرا طارئا، أو نطلب حاجة بعينها، فآنذاك تكون الرعاية القويمة ذات النتائج المفيدة عند الملمّات. أما أن يهمل الأخ أخاه، وينأى عنه، ولا يسأل عن أوضاعه وأحواله، ثم يطرأ طارئ غير منتظر فيستنجد به ويرجو عونه ونصرته، فآنذاك لا يفيد الاتصال غالبا.

والأخوّة بين الشعوب، تحتاج إلى رعايتها أولا بين الأفراد في المجتمع الواحد، فلا نمضي في دروب متفرّقة وسبل متشعبة، ولا نزعم لأنفسنا مثل تلك العلاقة الأخوية دون أن ننهض بتبعاتها في واقع حياتنا ومعاملاتنا اليومية، ويوم نقضي على ذلك الانفصام العقيم بين ما تزعم ألسنتنا وما تصنعه جوارحنا، بين القول والتطبيق، وبين الشعار والواقع، آنذاك نضع أقدامنا على بداية الطريق.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب