مستقبل المشرد السوري

تحليل – نشر في مجلة اتحاد منظمات المجتمع المدني السورية

مستقبل المشرد السوري

تحليل

بين أيدينا تيار التشريد السوري بحرا وبرا، ما بين موت مؤكد وموت محتمل، وغضب متطرف وترحيب مدروس، فأين نضع العمل الأهلي/ المدني من أجل الإنسان السوري المشرد دون أن ينفصل تنظيرا ولا تنفيذا عن الإطار الأوسع والأشمل، وهو انتصار الشعب الثائر انتصارا يضع حدا نهائيا لمسلسل المآسي والكوارث؟  

ما هو الحجم الحقيقي للتشريد السوري؟

في عام ٢٠١٥م وجدت المستشارة الألمانية ميركل نفسها أمام مشكلة كبرى لا بد من التعامل معها، فربطت بينها وبين مصلحة ألمانية كبرى، واعتبرت ذلك تحديا يتطلب جهودا كبرى لاستخلاص منافع وفوائد ذاتية من تقديم العون المدروس لكتلة من المشردين السوريين البشرية، علما بأنها كتلة صغيرة، بالمقارنة مع مأساة التشريد السورية بمجموعها.

لا ينبغي لوم ألمانيا بدعوى أنها تمارس سياسة مصلحية، بل ينبغي السؤال عن الطريق التي يجب علينا سلوكها، عندما ننظر إلى كل فرد سوري مشرد أو مغترب عن وطنه، أنه طاقة بشرية يمكن بمنظور المصلحة السورية الذاتية، إما أن تضيع في عالمنا وعصرنا أو أن تساهم في خدمة هذه المصلحة خدمة مستدامة، وتساهم بالتالي في تحقيق التغيير الجذري المنشود في سورية وما حولها.

أول سؤال يطرح نفسه: هل ندري ما هو الحجم الحقيقي لهذه الطاقة البشرية كما ونوعا؟

هل نعلم أن عدد المشردين والمغتربين يناهز عشرين مليونا وليس عشرات الألوف، بل لعل تعداد كل من فئة الأطباء أو المهندسين أو الخبراء التقنيين أو الزراعيين من بينهم تبلغ عشرات الألوف؟

وليس مجهولا أن النسبة الأكبر من هؤلاء شردوا عن بلدهم في مطلع الثمانينات من القرن الميلادي العشرين، ومنعوا من العودة، فسجلت أسماؤهم على الحدود كي يزج بهم في السجون والمعتقلات إن تجرؤوا على تحدي المنع، ودون التهوين من شأن فوارق عديدة، كانوا واقعيا، مثل أفواج المشردين خلال أعوام الثورة الشعبية، على قوارب الموت وفي القفار وما بين الحدود، أثناء سيل دماء الوطن والشعب، ضحية القمع الهمجي للثورة التغييرية الكبرى.

لن ينتهي هذا الوضع البائس دون تحقيق الهدف الأكبر للثورة الشعبية رغم جميع المتاهات التي صنعت لها، أي لن ينتهي قبل أن تتحرر إرادة الشعب ويتحرر الوطن وتتحرر صناعة القرار المشترك من الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية.

عند الحديث عن حصيلة وجود السوريين في المغتربات لعشرات السنين الماضية، وبغض النظر عن الأسباب والتبريرات، نجدها حصيلة بائسة قبل الثورة، أي في فترة ما بعد تشريد الثمانينات من القرن الميلادي الماضي، وهذا ما تجسد في غياب عمل أهلي/ مدني حرفي وهادف ومنظم، يستنفر طاقات الفرد السوري، المشرد في المغترب، والفرد السوري المعتقل في الوطن، ليكون في الحالتين إنسانا مبدعا قادرا على التواصل الدائم والتأهّل المتنوع والإنجاز المتتابع، وبالتالي ليساهم في صناعة الاستقرار القائم على العدل بين البشر وعلى بناء الوطن.

هذا هو الإطار العام الذي ينبغي أن نطرحه عندما نقول بصدد الواجب المطلوب الآن، إنه يشمل عناصر الوعي والزمن وجوهر المهمة، وتطوير العمل وفق تحديد معيار النجاح.

وإذ نعلم أن مسلسل مأساة الإنسان السوري لم تنقطع يوما واحدا خلال أكثر من خمسين سنة مضت، فلنعلم أننا كنا نستشعرها حينا ونشيح عنها حينا آخر؛ ولكنها مأساة متواصلة، مقابل تحرك مضاد للثورات الشعبية العربية ولا سيما في سورية.  

لا ننسى أن الشعب الثائر في سورية فاجأ عالمه وعصره بعطاء تاريخي كبير وإبداع متجدد، رغم عشرات السنين من موبقات الاستبداد والفساد، مما شاع استخدام كلمة قحط للتنويه إليه، وقد شمل مفعوله جميع الميادين، ولم يقتصر على ميدان العمل السياسي والعمل الجماعي فحسب. نحن نحتاج إذن، إلى:

– الوعي السياسي القائم على المعرفة والحرفية والممارسة..

– العمل الجماعي القائم على التنظيم والشفافية والمؤسسات..

– الإنجاز التخصصي القائم على الجهد الفردي والتكامل الجماعي..

– شبكات التواصل القائمة على قواسم مشتركة والاحترام المتبادل..

– التخطيط القائم على الدراسة والتقويم والتطوير المتجدد..

– الإغاثة القائمة على الشفافية والإخلاص والمحاسبة..

– جهود البناء القائم على العلم والمصلحة والتعاون..

والقائمة طويلة، وسنجد في تفاصيل كل بند مزيدا من العناوين، كالتربية، والتعليم، والاحتياجات المعيشية، وحالات الطوارئ، وقضايا الحقوق والحريات..

حسب استعداداتنا ونفوسنا يمكن أن تكون ضخامة حجم التحدي محبطة أو محفزة منشطة، ولكنها ببساطة هي ضخامة حتمية، لأن العمل الأهلي / المدني هو عصب الحياة في المجتمعات المستقرة، وهو من شروط العودة للحياة في مثل حالة المأساة السورية الحالية.

وسنجد أنفسنا بين طريقين، إما أن نتلاقى على عمل حقيقي مستدام، أو أن يذكرنا أولادنا وأحفادنا سلبا، على غرار ذكر كثير من جيل التغيير الذي يصنع الثورة الآن أسلافه من العقود الماضية.

وأستودعكم الله ولكم أطيب السلام من نبيل شبيب